مصطفى صادق الرافعي

136

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الناس على حساب ما يكون من اختلاف درجاتهم ومبلغ طاقتهم ؛ وما من ذي فن نابغ إلا وأنت واجد حسن عمله دون أمله هو في هذا الحسن ، ودون إحساسه بهذا الأمل ؛ حتى إنك لتعجب بما ظهر من قدرته الفنية في عمل الذي تراه أحسن شيء ، على حين أنه هو لا يعجب إلا بالأصل الكامل الذي توهمه في نفسه ، ووجد بيانه في خاطره ، والذي لم يستطع أن يخرجه كاملا ، لأن من طبيعة الإحساس أن يظهر فيه كمال النفس ما دام في النفس ، فإذا هو انقلب في الحواسّ عملا ظهر فيه نقص الحواس ! . ولما كان مرجع تقدير الكلام في بلاغته وفصاحته إلى الإحساس وحده - وخاصة في أولئك العرب الذين من أين تأملتهم ورأيتهم كأنما خلقوا خلقا لغويا « 1 » ، وكان القرآن الكريم قد جمع في أسلوبه أرقى ما تحس به الفطرة اللغوية من أوضاع البيان ومذاهب النفس إليه - فقد أحسوا بعجزهم عما امتنع مما قبله ، وكان كل امرئ منهم كأنما يحمل في قرارة نفسه برهان الإعجاز ، وإن حمل كل إفك وزور على طرف لسانه ! . ولهذا انقطعوا عن المعارضة ، مع تحديهم إليها على طول المدة وانفساح الأمر وعلى كثرة التقريع ، والتأنيب ، وعلى تصغير شأنهم وتحقيرهم ، وذلك بالنزول عن التحدي بمثل القرآن كله ، إلى عشر سور مثله ، إلى عشر مفتريات لا حقيقة فيها ، إلى سورة واحدة من مثله ، ولو هم أرادوا هذه السورة الواحدة ما استطاعوها ، لأن إحساسهم منصرف إلى أصل الكمال اللغوي في القرآن ، مستغرق فيه ، فلا يرون المعارضة تكون إلا على هذا الأصل ، أو تتحقق إلا به : وهو شيء لا تناله القدرة ، ولا تيسّره القوة ؛ لأنه على ظهوره في أسلوب القرآن ، باطن في أنفسهم ، تقف عليه المعرفة ولا تبلغه الصفة : كالروائح والطّعوم والألوان وما إليها . فلو ذهبوا إلى معارضة السورة القصيرة على قلة كلماتها ، وعلى أنها نفس واحدة وجملة متميزة ، لضاق بهم الأمر بمقدار ما يظنّ الجاهل أنه يسعهم ؛ فإن ذلك الإحساس

--> ( 1 ) أومأنا في الجزء الأول من ( تاريخ آداب العرب ) في فصل ( الأسباب اللسانية ) إلى السبب الذي من أجله رقت ألسنة العرب وصارت حركاتها على مقادير مضبوطة توازن الحروف التي تجري عليها ، كما تميل كفة الميزان بمقدار ما يوضع فيه ثقلا وخفة ، وأفضنا في مواضع كثيرة من ذلك الجزء فيما يصف خلقة العرب اللغوية ، ثم أطلعنا بعد ذلك على تعليل لبعض الفلاسفة لا بأس به إن صح أصل القياس فيه : فهو يرى أن العرب أصحاب حفظ ورواية : ولخفة الكلام عليهم ، ورقّة ألسنتهم ، وذلك لأنهم تحت نطاق فلك البروج الذي ترسمه الشمس بمسيرها ، وتجري فيه الكواكب السبعة الدالة على جميع الأشياء . . . ولا أقل من أن يكون ذلك قريبا إن لم يكن صحيحا . انظر ص 102 ج 1 هامش الكامل : عدم معارضتهم للقرآن وسببه ، وفي ص 114 منه : غلبة البيان على العرب وحكمة التحدي .