مصطفى صادق الرافعي

134

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ائتلافها ، لا يغتصبون لفظة ، ولا يطردون كلمة ، ولا يتكلفون التركيب ، ولا يتلوّمون « 1 » على صنعة ، وإنما تؤاتيهم الفطرة وتمدهم الطبيعة ؛ فنسق الألفاظ إلى ألسنتهم ، وتتوارد على خواطرهم ، وتجري مع أوهامهم ، وتستجيب فيهم لكل حركة من النفس لفظة المعنى الذي هو أصل هذه الحركة ، ثم لا تكون هذه اللفظة إلا كأنها خلقت لذلك المعنى خلقا ، وأفرغت عليه إفراغا ، حتى لا يناسبه غيرها فيما يلتئم على لسان المتكلم ، ولا يكون في موضعها أليق منها في مذهبه ولحن قومه وطريقة لغته . فلما ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق . ليس في ذلك إعنات ولا معاياة ، غير أنهم ورد عليهم من طرق نظمه ، ووجوه تركيبه ، ونسق حروفه في كلماتها ، وكلماته في جملها ، ونسق هذه الجمل في جملته - ما أذهلهم عن أنفسهم ، من هيبة رائعة وروعة مخوفة ، وخوف تقشعرّ منه الجلود ؛ حتى أحسّوا بضعف الفطرة القوية ، وتخلف الملكة المستحكمة ؛ ورأى بلغاؤهم أنه جنس من الكلام غير ما هم فيه ، وأن هذا التركيب هو روح الفطرة اللغوية فيهم ، وأنه لا سبيل إلى صرفه عن نفس أحد العرب أو اعتراض مساغه إلى هذه النفس ، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي عرف أرواحهم واطلع على قلوبهم ، بل هو السرّ الذي يفشي بينهم نفسه وإن كتموه ، ويظهر على ألسنتهم ويتبين في وجوههم وينتهي إلى حيث ينتهي الشعور والحسّ ، فليس للخلابة أو المؤاربة وجه في نقض تأثيره وإزالته عن موضعه ، ومن استقبل ذلك بكلامه أو أراده بأي حيلة ، فقد استقبل رد النفوس عن أهوائها ، وردع القلوب عن محبتها ، وحاول معارضه أقوى ما في النفس بأضعف ما فيها ؛ وهذا شيء - فيما يعرفونه - لا يستقيم لامرئ من الناس ببيان ولا عصبية ولا هوى ولا شيء من هذه الفروع النفسية ، وليس إلا أن ينقض الفطرة فيستقيم له ، وما في نقض هذه الفطرة إلا أن يبدأ الخلق فيكون إلها ، وهذا كما ترى فوق أن يسمّى أو يعقل . وقد استيقن بلغاء العرب كل ذلك فاستيأسوا من المعارضة ، إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة ويحيل الطبع ويخاذل النفس مصادمة لا حيلة ولا خدعة ، وإنما سبيل المعارضة الممكنة التي يطمع فيها أن يكون لصاحبها جهة من جهات الكلام لم تؤخذ عليه ، وفن من فنون المعنى لم يستوف قبله ، وباب من أبواب الصنعة لم يصفق من دونه ، وأن تكون وجوه البيان له معرضة يأخذ في هذا ويعدل عن ذلك ؛ حتى يستطيع أن يعارض الحسنة بالحسنة ، ويضع الكلمة بإزاء الكلمة ، ويقابل الجملة بالجملة ، ثم

--> ( 1 ) أي لا ينقحون ويحككون ويبطئون لذلك في عمل الكلام .