مصطفى صادق الرافعي

133

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ضعفا ، ولا نشك في أنه كان يستسر بهنات مما يضعف اعتقاده ولكن أمر القرآن أمر على حدة ؛ فما هو عند البرهان عليه وراء القبر ولا وراء الطبيعة « 1 » . وبعد ، فهذا الذي وقفناك عليه هو كل ما صدقوا وكذبوا فيه من خبر المعارضة أما إن القرآن الكريم لا يعارض بمثل فصاحته وتركيبه ، وبمثل ما احتواه ، ولو اجتمعت الإنس بما يعرفونه ، وأمدهم الجن بما لا يعرفونه ، وكان بعضهم لبعض ظهيرا فهو ما نبسطه فيما يلي ، وذلك هو الحق الذي لا جمجمة فيه ، ولا يستعجم على كل بليغ له بصر بمذاهب العرب في لغتها وحكمة مذاهبها في أساليب هذه اللغة ، وقد تفقه بالبحث في ذلك والكشف عن دقائقه ، وكان يجري من هذه الصناعة البيانية على أصل ويرجع فيها إلى طبع . وإن شعور أبلغ الناس بضعفه عن أسلوب القرآن ليكون على مقدار شعوره من نفسه بقوة الطبع واستفاضة المادة وتمكنه من فنون القول وتقدمه في مذاهب البيان ؛ فكلما تناهى في علمه تناهى كذلك في علمه بالعجز وما أهل الأرض جميعا في ذلك إلا كنفس واحدة وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . أسلوب القرآن وهذه الأسلوب فإنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله ، ليس من ذلك شيء إلا وهو معجز ، وليس من هذا شيء يمكن أن يكون معجزا وهو الذي قطع العرب دون المعارضة ، واعتقلهم عن الكلام فيها ، وضربهم بالحجة من أنفسهم وتركهم على ذلك يتلكئون . ثم هو الذي مثل لهم اليأس قائما لا يتصل به الطمع ، وصوّر لهم العجز غالبا لا تنال منه القدرة ، فأحرز طباعهم في ناحية من الضعف والاستكانة ، حتى كأنها غير طباعهم في تثلمها بعد انتضائها وتراجعها بعد مضائها ، وقد كانوا يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر ويتناقضون في أغراضه ومعانيه ، حين لم يكن من الفرق عند فصحائهم بين فن وفن من القول إلا ما يكون من تفاوت المعاني واختلاف الأغراض وسعة التصرف ، وكان أسلوب الكلام قبيلا واحدا وجنسا معروفا ، ليس إلا الحر من المنطق والجزل من الخطاب ، وإلا اطراد النسق وتوثيق السرد وفصاحة العبارة وحسن

--> ( 1 ) أي هو كلام بين الأيدي ، يمر فيه النظر ويجري عليه النقد حكمه ، لا كالغيبيات مما تزيغ فيه بعض العقول غافلة عن الفرق بين القدرة فيما يتناهى والقوة فيما لا يتناهى وعن استحالة تمثل هذه في تلك إلا على قدر وعند حد .