مصطفى صادق الرافعي
13
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
يجمعون ما كانوا طبعوه من نسخه قبل أن يظهر فيهم الداهية الواقف على مخازي تزويره ، وهم يحرقون ما جمعوه منها ، ولعلهم ينقحونه ثم يبرزونه لجيل لم يطلع عليها . وقد نبتت في مصر نابتة من الزنادقة الملحدين في آيات اللّه ، الصادين عن دين اللّه ، قد سلكوا في الدعوة إلى الكفر والإلحاد شعابا جددا ، وللتشكيك في الدين طرائق قددا ، منها الطعن في اللغة العربية وآدابها ، والتماري في بلاغتها وفصاحتها ، وجحود ما روي عن بلغاء الجاهلية من منظوم ومنثور ، وقذف رواتها بخلق الإفك وشهادة الزور ، ودعوة الناطقين باللسان العربي المبين ، إلى هجر أساليب الأولين ، واتباع أساليب المعاصرين . ومنهم الذين يدعون إلى استبدال اللغة العامية المصرية بلغة القرآن الخاصية المضرية ، والغرض من هذا وذاك صدّ المسلمين عن هداية الإسلام وعن الإيمان بإعجاز القرآن ، فإن من أوتي حظا من بيان هذه اللغة ، وفاز بسهم رابح من آدابها حتى استحكمت له ملكة الذوق فيها ، لا يملك أن يدفع عن نفسه عقيدة إعجاز القرآن ببلاغته وفصاحته ، وبأسلوبه في نظم عبارته ، وقد صرح بهذا من أدباء النصرانية المتأخرين الأستاذ جبر ضومط مدرس علوم البلاغة بالجامعة الأمريكانية في كتابه ( الخواطر الحسان ) « 1 » . وقد رأيت شيخنا الأستاذ الإمام مرة يقرأ في كتاب إفرنسي اللغة ، لحكيم من حكمائها ، فكان مما قرأ عليّ منه بالترجمة العربية ، ردّ المؤلف على من قال من دعاة النّصرانية إن محمدا ( صلّى اللّه عليه وسلم ) لم يأت بمثل آيات موسى وعيسى المسيح ( عليهما السلام ) قال : إن محمدا كان يقرأ القرآن مولها مدلها « 2 » ، صادعا ومتصدعا ، فيفعل في جذب القلوب إلى الإيمان به فوق ما كانت تفعل جميع آيات الأنبياء من قبل « 3 » ا ه - .
--> ( 1 ) نقول وصرح لنا بذلك أديب هذه الملة وبليغها الشيخ إبراهيم اليازجي الشهير ، وهو أبلغ كاتب أخرجته المسيحية ، وقد أشار إلى رأيه ذاك في مقدمة كتابه ( نجعة الرائد ) . وكذلك سألنا شاعر التاريخ المسيحي الأستاذ خليل مطران ، ولا نعرف من شعراء القوم من يجاريه فأقر لنا أستاذه بمثل ما أقر به اليازجي ! والأمر بعد إلى العقل ، والعقل ليس له دين إلا الحق ، والحق واحد لا يتغير . ( 2 ) قال لي الأستاذ الإمام : إن المؤلف استعمل هنا كلمة إفرنسية لا أعرف لها مرادفا في لغتنا العربية ، معناها أنه كان يقرأ في حال مؤثرة في نفسه وفي نفس من يسمع قراءته ، نعبر عنها بالتدله . ( 3 ) ومما يناسب هذا وجها من المناسبة ما نقله صديقنا حجة العصر الأمير شكيب أرسلان ، قال : إن لوثير وكلفين المصلحين المعروفين في التاريخ المسيحي ، ذكرا مرة أمام فولتير فيلسوف فرنسا ، فقال إنهما لا يليقان حذاءين لنعال محمد صلّى اللّه عليه وسلم . هذا وفولتير ملحد ، فكيف بالمؤمنين ؟ .