مصطفى صادق الرافعي
110
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
من واحد إلى ألوف » وهي عبارة مقتضبة رأيناها في ( كشف الظنون ) ولم يكشف لنا عن معناها ، فلا ندري أبلغت وجوه الإعجاز في كتابه ألوفا ، أم هذه الألوف غير معجزة ، أو هو يحصي ألوفا من آيات القرآن والقرآن كله معجزة ؟ على أننا رأينا في بعض الكتب نقلا عن كتاب ابن سراقة هذا ما يأتي : « اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن ، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلها حكمة وصواب ، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره » . قلنا : ولعل المؤلف بلغ في كتابه نهاية هذا الحساب العشري ؛ على أن كتابه لو كان مما ينفع الناس لمكث في الأرض . . . واللّه أعلم . حقيقة الإعجاز أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن ، وما حققناه بعد البحث ، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية ، وما استخرجناه من القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه واطراد أسلوبه ؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة ، واكتناه الروح التاريخية في أوضاع الإنسان وآثاره وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في الأغراض التي يقصد إليها ، والجهات التي يعمل عليها ، وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة ، حتى يكون أصغر شيء فيه كأكبر شيء فيه - نقول إن الذي ظهر لنا بعد كل ذلك واستقر معنا ، أن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه ، حين ينفي الإمكان بالعجز عن غير الممكن ، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغا وليس إلى ذلك مأتي ولا جهة ؛ وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية ، يشاركها في إعجاز الصنعة وهيئة الوضع ، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغا من ذوب تلك المواد كلها . وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان ، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله . فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب ، ومعجز في أثره الإنساني ؛ ومعجز كذلك في حقائقه ؛ وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء ؛ فهي باقية ما بقيت ، وقد أشرنا إليها في بعض الفصول المتقدمة ؛ على أنها ليست من غرضنا في هذا الباب وإنما مذهبنا بيان إعجازه في نفسه من حيث هو كلام عربي . لأننا إنما نكتب في هذه الجهة من تاريخ الأدب دون جهة التأويل والتفسير . ونحن في كل ما نضعه من هذا الكتاب إنما نسلك الجانب الضيق من الطريق ، ونقتص الأثر الطامس ، ونلتزم الخطة التي تحمل عليها النفس حملا . وقد كان فيما