مصطفى صادق الرافعي

111

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

قدمناه ، بل فيما دونه ، مقنع ، لو آثرنا ما تستوطنه النفس ، عطفا على ما تنازع إليه من السكون كلما انتهت إلى حجة واضحة ، أو استبانت لائحة مفسرة ؛ ولكننا نمضي ما اعتزمنا فاللهم عونك ! واللهمّ عونك ! . هذا ، ولا بد لنا قبل الترسل في بيان ذلك الإعجاز ، أن نوطئ بنبذ من الكلام في الحالة اللغوية التي كان عليها العرب عندما نزل القرآن ، فسنقلب من كتاب الدهر ثلاث عشرة صفحة تحتوي ثلاثة عشر قرنا ؛ لنتصل بذلك العهد حتى نخبر عنه كأننا من أهله وكأنه رأي العين ؛ وإنما سبيل الصحة فيما نحن فيه أن يشهد عليه الشاهدان : العين ، والأذن ؛ إذ كان من شأنهما أن لا تثبت دعوى في حادثة دون أن يشهد عليهما أحدهما أو كلاهما . بلغ العرب في عقد القرآن مبلغا من الفصاحة لم يعرف في تاريخهم من قبل ، فإن كل ما وراءه إنما كان أدوارا من نشوء اللغة وتهذيبها وتنقيحها واطّرادها على سنن الاجتماع ، فكانوا قد أطالوا الشعر وافتنوا فيه ، وتوافى عليه من شعرائهم أفراد معدودون كان كل واحد منهم كأنه عصر في تاريخه بما زاد من محاسنه وابتدع من أغراضه ومعانيه . وما نفض عليه من الصّبغ والرونق ؛ ثم كان لهم من تهذيب اللغة ، واجتماعهم على نمط من القرشية يرونه مثالا لكمال الفطرة الممكن أن يكون : وأخذهم في هذا السّمت - ما جعل ( الكلمة ) نافذة في أكثرها لا يصدّها اختلاف من اللسان ، ولا يعترضها تناكر في اللغة ؛ فقامت فيهم بذلك دولة الكلام ؛ ولكنها بقيت بلا ملك ، حتى جاءهم القرآن . وكل من يبحث في تاريخ العرب وآدابهم ، وينفذ إلى ذلك من حيث تنفذ به الفطنة وتتأتى حكمة الأشياء فإنه يرى كل ما سبق على القرآن - من أمر الكلام العربي وتاريخه - إنما كان توطيدا له وتهيئة لظهوره وتناهيا إليه ودرية لإصلاحهم به وليس في الأرض أمة كانت تربيتها لغوية غير أهل هذه الجزيرة ، فما كان فيهم كالبيان آنق منظرا وأبدع مظهرا وأمدّ سببا إلى النفس وأردّ عليها بالعاقبة ؛ ولا كان لهم كذلك البيان أزكى في أرضهم فرعا ، وأقوم في سمائهم شرعا ، وأوفر في أنفسهم ريعا وأكثر في سوقهم شراء وبيعا . وهذا موضع عجيب للتأمل ، ما ينفد عجبه على طرح النظر وإبعاده ، وإطالة الفكر وترداده ، وأي شيء في تاريخ الأمم أعجب من نشأة لغوية تنتهي بمعجزة لغوية ، ثم يكون الدين والعلم والسياسة وسائر مقومات الأمة مما تنطوي عليه هذه المعجزة ، وتأتي به على أكمل وجوهه وأحسنها ، وتخرج به للدهر خير أمة كان عملها في الأمم صورة أخرى من تلك المعجزة . هذا على أنه - كما علمت - أنشأهم على الكبر ، ولم يجر معهم على المألوف من