مصطفى صادق الرافعي
105
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ومذهب آخر لطائفة من المتأخرين : وهو أن وجه الإعجاز ما تضمّنه القرآن من المزايا الظاهرة والبدائع الرائقة ، في الفواتح والمقاصد والخواتيم في كل سورة وفي مبادئ الآيات وفواصلها قالوا : والمعوّل على ثلاث خواص : ( 1 ) الفصاحة في ألفاظه كأنها السّلسال . ( 2 ) البلاغة في المعاني بالإضافة إلى مضرب كل مثل ومساق كل قصة وخبر في الأوامر والنواهي وأنواع الوعيد ومحاسن المواعظ والأمثال وغيرها مما اشتمل عليه ؛ فإنها مسوقة على أبلغ سياق . ( 3 ) صورة النظم ، فإن كل ما ذكره من هذه العلوم مسوق على أتم نظام وأحسنه وأكمله ا ه - . ومحصل هذا المذهب أن الإعجاز في القرآن كله لأن القرآن كله معجز . . . وهو معجز لأنه معجز . ولجماعة من المتكلمين وأهل التقسيمات المنطقية على اختلاف بينهم شبه ومطاعن يوردونها على القرآن . وهي نحو عشرين وجها ، كلها سخيف ركيك وكلها واه مضطرب ، وكلها غثّ بارد ، منها قولهم : إن معارضته التي يقطع بأنها مستحيلة ، حاصلة فعلا ؛ فإن اللّه يقول : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ قالوا : وكل من قرأ سورة منه فقد أتى بمثلها ، أي لأن من قرأها مثل التي هي في المصحف حرفا حرفا لا تختلف ولا تزيد ولا تنقص . . . فصار الإعجاز عند العلماء من المتأخرين يثبت بنفي هذه الشبه ونقضها ، لأن سقوط الشبهة الواردة على الدليل ، هو نفسه دليل صحته « 1 » . وهذا برهان لم يكن لهم بدّ منه ؛ فإن إنكار الإعجاز لم يقل به أحد من المتأخرين ، وإنما وقع إليهم على هيئته في كتب الكلام وكتب التفسير التي يدرسونها ؛ فهو رأي ميّت ، لو أنكروه بكل دليل في العلم لم يزده ذلك موتا في الأرض ولا في السماء .
--> ( 1 ) أي صحة الدليل الأول الذي سقطت الشبهة عنه . وقد أطال عبد القاهر الجرجاني في الرد على القول بأن من قرأ سورة فقد جاء بمثلها ، وأبدى في ذلك وأعاد وحشا وكرر ، حتى أخذ الرد شطرا من كتابه « دلائل الإعجاز » وزعم هذا القول أيضا في الشعر والفصاحة ، وقرر أن الناس كانوا يتهالكون على هذا الرأي ، فأحب لذلك أن لا يدع شيئا مما يجوز أن يتعلق به متعلق إلا إذا استقصى في الكشف عن بطلانه ولكن الإطالة في الرد على أي ضعيف لا تخلو من أن تكون في نفسها رأيا ضعيفا . ومما هو بسبيل من ذلك السخف الذي رد عليه الجرجاني ، ما زعمه ابن الجرجاني الزنديق ، من أن القرآن فيه الكذب والسفه ، قال : لأن هذه الحروف ( ك ذ ب ، س ف ه ) موجودة فيه .