مصطفى صادق الرافعي

100

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وقد أسلفنا في غير هذا الموضع أن كل فرقة انشعبت في الإسلام وانبسط لها ظل - فإنما هي عقل رجل ذكي واحد ؛ بالغا ما بلغ أتباعها ومنتحلو عقائدها ؛ فإن نبغ في هؤلاء عقل آخر انصدعت الفرقة فخرجت منها فرقة ثانية ، وهلمّ جرا . فالمقرّ من أولئك كالمنكر من هؤلاء ، ما دام سبيل جميعهم من صناعة الكلام ، وعلى ناحية المكابرة ، وما دام نفي الشك بقوة المنطق كأنه في المنطق إقرار اليقين بقوة الحق فإن سقطت الشبهة وبطل الاعتراض - ولو من عجز أو عيّ أو ما هو في حكمها من عوارض المنطق - فلذلك هو العلم المحض والرأي الصريح ، وإلا فما دام للشبهة ظل ، وللاعتراض وجه - ولو من المعارضة والمكابرة - فلا قرار لذلك الرأي ، ولا ثبوت لذلك العلم ، ولا يبلغ الجدال منهما رأيا ولا علما . وعلى هذه الجهة رأينا كل أقوالهم في إعجاز القرآن : لا يصنعون شيئا دون أن ينكر ويدفع من ينكر من يدفع ، فإما أن تتعارض الحجج الكلامية فتسقط بعضها بعضا ، وإما أن تقوى واحدة منهن فتسقط الباقيات وتبقى هي كلاما من الكلام لا تصلح لنفي ولا إثبات . وليس من طلب الحق ليعرفه كالذي يطلبه ليعرف به ، فإن الأول ينصف من نفسه كما ينتصف لها ، ولكن الثاني خصم لا يريده إلا جدلا وله مع الجدل قوة الحرص على المؤاربة ، وشدة الصريمة في المراوغة ؛ كيما تنتهي إليه الحجة ويقف عنده البرهان فيكون له الصوت المردد ويصير إليه مرجع القول في النحلة أو المذهب ، فهو يعتسف لذلك ولا جرم كل طريق ، ويركب كل صعب ، ويتحمل من كل وجه ، ويتعنت بكل آية ، وليس له هم دون قوة الإقناع المنطقية ، ودون الإفحام والتعجيز ومن ثم لا يبالي أن يتورد خصمه بالسفه ، أو يقر له بالسخف ، أو يتبسط على الباطل أو يحتجز دون الحق ، ما دامت هذه كلها أدوات في صناعة الكلام ، وما دام الكلام قادرا بأدواته على أن يصنع الحق أو ما يسمى حقا ، وإن كانت الصنعة فاسدة أو سقيمة ، وكانت التسمية من خطأ أو ضلال . من أجل ذلك قلنا إنه لا يستقيم لنا برهان صحيح مما نصبنا لاستقرائه في هذا الفصل ، ولكن أكبر غرضنا منه أن ندلّ على تاريخ الكلام في القرآن وإعجازه ؛ فإن ذلك واضح النسق بيّن السرد فيما تهيأ لنا من هذه الآراء التي نؤديها كما هي : وفاء بحق التاريخ وتوفية لفائدة ما نحن بسبيله . كان أول ما ظهر من الكلام في القرآن ، مقالة تعزى إلى رجل يهودي يسمى لبيد ابن الأعصم فكان يقول : إن التوراة مخلوقة ، فالقرآن كذلك مخلوق ، ثم أخذها عنه