مصطفى صادق الرافعي
101
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
طالوت ابن أخته وأشاعها ، فقال بها بنان بن سمعان الذي إليه تنسب البنانية « 1 » ، وتلقاها عنه الجعد بن درهم ( مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ) وكان زنديقا فاحش الرأي واللسان ، وهو أول من صرّح بالإنكار على القرآن والردّ عليه ، وجحد أشياء مما فيه « 2 » وأضاف إلى القول بخلقه أن فصاحته غير معجزة ، وأن الناس يقدرون على مثلها وعلى أحسن منها ، ولم يقل بذلك أحد قبله ، ولا فشت المقالة بخلق القرآن إلا من بعده ، إذ كان أول من تكلم بها في دمشق عاصمة الأمويين ، وكان مروان ( ويلقب بالحمار ) يتبع رأيه ، حتى نسب إليه ، فقيل مروان الجعدي . ولم تظهر بعده فتنة القول بخلق القرآن إلا زمن أحمد بن أبي دؤاد وزير المعتصم ( سنة 220 ) وكان أول من بالغ في القول بذلك عيسى بن صبيح الملقب بالمزدار الذي إليه تنسب المزدارية كما سيأتي . ثم لما نجمت آراء المعتزلة بعد أن أقبل جماعة من شياطينها على دراسة كتب الفلسفة مما وقع إليهم عن اليونان وغيرهم نبغت لهم شؤون أخرى من الكلام ، فمزجوا بين تلك الفلسفة على كونها نظرا صرفا ، وبين الدين على كونه يقينا محضا وتغلغلوا في
--> ( 1 ) هم قوم من الغلاة ينتسبون إلى هذا الرجل ، وهو من بنان بن سمعان النهدي التميمي ، ويعتقدون أن الإمامة انتقلت إليه من أبي هاشم بن محمد ابن الحنفية من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . والبنانية يقولون بإلهية علي ، ولهم آراء ، وليس في السخف أسخف منها ، حتى إنهم ليزعموا أن الرعد صوت علي ؛ وأن البرق ابتسامه ؛ وأن السماء لا ترعد ولا تبرق إلا للهشاشة لهم والسلام عليهم ( ولعل ذلك من برح الشوق أيضا ) ، فكانوا إذا سمعوا الرعد قالوا : عليك السلام يا أمير المؤمنين . وفي بعض الكتب تجد اسم بنان هكذا : أبان بن سمعان ؛ وهو تحريف ، وقتله خالد بن عبد اللّه القسري ؛ كما قتل الجعد بن درهم الذي أخذ عنه مقالته . أما خالد فتوفي سنة 126 ه رحمه اللّه وأثابه . وقد رأينا في ( تأويل غريب الحديث ) لابن قتيبة أن أول من قال بخلق القرآن قوم من الرافضة يقال لهم ( البيانية ) ينسبون إلى رجل يقال له ( بيان ) وأن هذا الرجل قال لهم : إليّ أشار بقوله : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ ولا ندري ما أصله ، فإن الناس لا يسمون ( بيانا ) في أسمائهم ، ولعله تحريف مقصود للنكتة في الاستشهاد بالآية . ومثله كثير . ( 2 ) هذه الأشياء إنما هي من إنكار الأخبار الواردة فيه : كتكليم اللّه موسى ( عليه السلام ) ونحوه ، أما إنكار أشياء من القرآن نفسه على أنها ليست منه ، فقد وقع لبعض الغلاة : كالعجاردة الذين ينسبون إلى عبد الكريم بن عجرد في أواخر المائة الأولى - فإنهم ينكرون أن سورة يوسف من القرآن . لأنها قصة ، زعموا . وقد عموا عن النظم والأسلوب وطابع الكلام ، أما الرافضة ( أخزاهم اللّه ) فكانوا يزعمون أن القرآن بدل وغير وزيد فيه ونقص منه وحرف عن مواضعه وأن الأمة فعلت ذلك بالسنن أيضا ، وكل هذا من مزاعم شيخهم وعالمهم هشام بن الحكم ، لأسباب لا محل لشرحها هنا ، وتابعوه عليها جهلا وحماقة .