جلال الدين السيوطي

63

اعجاز القرآن واسرار التنزيل ( فتح الجليل للعبد الذليل )

في قوله في الجملة الأولى إِلَى النُّورِ « 1 » ، وقوله « 2 » في الثانية : إِلَى الظُّلُماتِ . وفيها التهذيب « 3 » ، وهو أن يكون الكلام مهذّبا مفخّما ، بحيث لا يكون للاعتراض فيه مجال ، والآية والقرآن كله كذلك . وفيها الاستتباع « 4 » ، وهو الوصف بشيء على وجه يستتبع الوصف بآخر ، وهو هنا

--> ( 1 ) في ب : الأولى النور . ( 2 ) كلمة قوله ساقطة من المطبوع . ( 3 ) التهذيب : عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله ، والشروع في تهذيبه وتنقيحه ، نظما كان أو نثرا ، وتغيير ما يجب تغييره ، وحذف ما ينبغي حذفه ، وإصلاح ما يتعين إصلاحه ، وكشف ما يشكل من غريبه وإغرابه ، وتحرير ما يدق من معانيه ، واطراح ما يتجافى عن مضاجع الرقة من غليظ ألفاظه ، فإن الكلام إذا كان موصوفا بالمهذب منعوتا بالمنقح ، علت رتبته ، وإن كانت معانيه غير مبتكرة . وهو ثلاثة أقسام : أ - إعادة النظر فيما كتب ، وهذا لا يقع في القرآن . ب - حسن الترتيب في النظم ، إما بالارتقاء من الأدنى إلى الأعلى ، أو بتقديم ما يجب تقديمه ، وتأخير ما يجب تأخيره . ج - القسم الآخر بحيث يعضد المعنى ، أو يقل التركيب من سوء الجوار ، إما في حروف مفردات الكلمة ، فيتجنب وقت التأليف تلك اللفظة التي وقع فيها ذلك من المواضع الأول ، أو سوء الجوار إذا كانت بهذه المنزلة ؛ أي تجنب عيوب النظم . وهذان القسمان هما اللذان جاء نظم القرآن عليهما غير مقصود ولا متكلف ؛ لكونه كلاما قادرا مطلق القدرة . معجم البلاغة : 2 / 885 ، وخزانة الأدب : 2 / 31 . وتحرير التحبير : 401 ، وبديع القرآن : 158 ، وبديع بن منقذ : 139 ، وبلوغ الأرب : 144 . ( 4 ) الاستتباع : من المحسنات المعنوية ، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر ، كقول المتنبي : [ من الطويل ] نهبت من الأعمار ما لو حويته * لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد مدحه بالنهاية في الشجاعة على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها . معجم البلاغة : 1 / 128 . وجاء في خزانة الأدب : 2 / 394 : أن يذكر الناظم أو الناثر معنى مدح أو ذم أو غرض من أغراض الشعر ، فيستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصف ذلك الفن . وانظر : التبيان : 389 ، والتلخيص : 383 ، وشروح التلخيص : 4 / 396 ، والإيضاح : 212 .