ابن الأثير

184

أسد الغابة ( دار الفكر )

فرق له أبوه وأمره فارتجعها ، ثم شهد عبد اللَّه الطائف مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فرمى بسهم فمات منه بالمدينة ، فقالت عاتكة ترثيه : رزئت بخير الناس بعد نبيّهم * وبعد أبي بكر ، وما كان قصّرا فآليت لا تنفكّ عيني حزينة * عليك ، ولا ينفكّ جلدي أغبرا [ ( 1 ) ] فللَّه عينا من رأى مثله فتى * أُّكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنّة خاضها * إلى الموت حتّى يترك الرّمح أحمرا فتزوّجها زيد بن الخطاب . وقيل : لم يتزوّجها ، وقتل عنها يوم اليمامة شهيدا ، فتزوجها عمر بن الخطاب سنة اثنتي عشرة ، فأولم عليها ، فدعا جمعا فيهم علي بن أبي طالب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، دعني أكلم عاتكة . قال : افعل . فأخذ بجانبي الباب وقال : يا عديّة نفسها ، أين قولك : فآليت لا تنفكّ عيني حزينة * عليك ، ولا ينفكّ جلدي أغبرا فبكت ، فقال عمر : ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن ؟ كل النساء يفعلن هذا . فقال : قال اللَّه تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) فقتل عنها عمر ، فقالت ترثيه : عين ، جودي بعبرة ونحيب * لا تملّى على الإمام النّحيب قل لأهل الضراء والبؤس : موتوا * قد سقته المنون كأس شعوب [ ( 2 ) ] ثم تزوّجها الزبير بن العوّام ، فقتل عنها ، فقالت ترثيه : غدر ابن جرموز بفارس بهمة [ ( 3 ) ] * يوم اللقاء وكان غير معرّد [ ( 4 ) ] يا عمرو ، لو نبّهته لوجدته * لا طائشا رعش الجنان ولا اليد كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طرادك يا ابن فقع القردد [ ( 5 ) ]

--> [ ( 1 ) ] البيت في طبقات ابن سعد : 8 / 194 ، وكتاب نسب قريش : 277 . [ ( 2 ) ] الشعوب : المنية . [ ( 3 ) ] البهمة : واحدة البهم - بضم ففتح - وهي : معضلات الأمور . [ ( 4 ) ] عرد الرجل تعريدا : فر . [ ( 5 ) ] الفقع : ضرب من أردأ الكمأة - وهي نبات يخرج دون غرس - والقردد : أرض مرتفعة إلى جنب وهدة . وقال أبو حنيفة : الفقع يطلع من الأرض فيظهر أبيض ، وهو رديء ، والجيد ما حفر عنه واستخرج . ويشبه به الرجل الذليل ، لأن الدواب تنجله بأرجلها .