ابن الأثير

495

أسد الغابة ( دار الفكر )

فخرجا حتى أتيا المسجد ، فقال الوليد : هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد عليّ جواري . فقال عثمان : صدق ، وقد وجدته وفيا كريم الجوار ، وقد أحببت أن لا أستجير بغير اللَّه عز وجل ، وقد رددت عليه جواره . ثم انصرف عثمان بن مظعون ، ولبيد بن ربيعة بن جعفر بن كلاب القيمي في مجلس قريش ، فجلس معهم عثمان ، فقال لبيد وهو ينشدهم : ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل [ ( 1 ) ] فقال عثمان : صدقت . قال لبيد : وكلّ نعيم لا محالة زائل فقال عثمان : كذبت ، فالتفت القوم إليه فقالوا للبيد : أعد علينا . فأعاد لبيد ، وأعاد له عثمان بتكذيبه مرة وبتصديقه مرة ، وإنما يعنى عثمان إذا قال : « كذبت » ، يعنى نعيم الجنة لا يزول . فقال لبيد : واللَّه - يا معشر قريش - ما كانت مجالسكم هكذا ! فقام سفيه منهم إلى عثمان بن مظعون فلطم عينه ، فاخضرّت ، فقال له من حوله : واللَّه يا عثمان لقد كنت في ذمّة منيعة وكانت عينك غنية عما لقيت ! فقال عثمان : جوار اللَّه آمن وأعزّ وعيني الصحيحة فقيرة إلى ما لقيت أختها ولى برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وبمن آمن معه أسوة . فقال الوليد : هل لك في جواري ؟ فقال عثمان : لا أرب لي في جوار أحد إلا في جوار اللَّه [ ( 2 ) ] . ثم هاجر عثمان إلى المدينة ، وشهد بدرا . وكان من أشد الناس اجتهادا في العبادة ، يصوم النهار ويقوم الليل ، ويجتنب الشهوات ، ويعتزل النساء ، واستأذن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في التبتل والاختصاء [ ( 3 ) ] ، فنهاه عن ذلك . وهو ممن حرم الخمر على نفسه ، وقال : لا أشرب شرابا يذهب عقلي ، ويضحك بي من هو أدنى منى . وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين ، مات سنة اثنتين من الهجرة ، قيل : توفى بعد اثنتين وعشرين شهرا بعد شهوده بدرا ، وهو أول من دفن بالبقيع أخبرنا إبراهيم بن محمد بن مهران وغيره قالوا بإسنادهم إلى محمد بن عيسى قال : حدثنا محمد بن بشّار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن عاصم بن عبيد اللَّه ،

--> [ ( 1 ) ] البيت في الشر والشعراء لابن قتيبة : 1 / 279 . [ ( 2 ) ] سيرة ابن هشام : 1 / 370 ، 371 . [ ( 3 ) ] ينظر تفسير الطبري ، الأثر 12348 : 10 / 519 ، عند الآية 87 من سورة المائدة .