ابن الأثير

239

أسد الغابة ( دار الفكر )

وكان بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يكثر الحج ، وكان كثير الصدقة وربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا . قال نافع : كان ابن عمر إذا اشتدّ عجبه بشيء من ماله قربه لربه ، وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه ، فربما لزم أحدهم المسجد ، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه ، فيقول له أصحابه : يا أبا عبد الرحمن ، واللَّه ما بهم إلا أن يخدعوك ! فيقول ابن عمر : من خدعنا باللَّه انخدعنا له . قال نافع : ولقد رأيتنا ذات عشيّة ، وراح ابن عمر على نجيب [ ( 1 ) ] له قد أخذه بمال ، فلما أعجبه سيره أناخه بمكانه ، ثم نزل عنه ، فقال : يا نافع ، انزعوا عنه زمامه ورحله وأشعروه [ ( 2 ) ] وجلّلوه وأدخلوه في البدن . وقال نافع : دخل ابن عمر الكعبة ، فسمعته وهو ساجد يقول : « قد تعلم يا ربي ما يمنعني من مزاحمة قريش على الدنيا إلا خوفك » . وقال نافع : كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ ( 3 ) ] بكى حتى يغلبه البكاء . وقال ابن عمر : « البرّ شيء هيّن : وجه طلق ، وكلام لين » وروى ابن عمر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأكثر . وروى عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وأبي ذر ، ومعاذ بن جبل ، ورافع بن خديج ، وأبي هريرة ، وعائشة . روى عنه ابن عباس ، وجابر والأغر المزني من الصحابة . وروى عنه من التابعين بنوه : سالم ، وعبد اللَّه ، وحمزة . وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن . ومصعب بن سعد ، وسعيد المسيّب ، وأسلم مولى عمر ، ونافع مولاه ، وخلق كثير . أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن عبد القاهر الطّوسي ، أخبرنا أبو بكر بن بدران الحلواني ، أخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب المعروف بابن قفرجل [ ( 4 ) ] ، حدثني جدّى محمد بن عبيد اللَّه ابن الفضل ، حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن حميد ، حدثنا محمد بن سليمان بن حبيب ،

--> [ ( 1 ) ] النجيب من الإبل : القوى منها ، الخفيف السريع . [ ( 2 ) ] الإشعار : أن يشق أحد جنبي السنام حتى يسيل الدم ، علامة على أنه هدى . ومعنى جللوه : ألبسوه الجل - بضم الجيم - وهو للدابة كالثوب للإنسان ، تصان به . [ ( 3 ) ] الحديد : 16 . [ ( 4 ) ] في المطبوعة : « سفرجل » والمثبت من الأصل . وقد ذكر صاحب القاموس : « قفرجل » وقال إنه علم مرتجل .