ابن الأثير
587
أسد الغابة ( دار الفكر )
أخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي البغدادي بإسناده إلى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني الزهري ، عن عروة ، عن مروان بن الحكم والمسوّر بن مخرمة حدثناه جميعا : أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خرج يريد زيارة البيت لا يريد حربا ، وساق معه الهدى سبعين بدنة ، فسار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى [ إذا ] انتهى إلى عسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي ، كعب خزاعة ، قال : يا رسول اللَّه ، هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا بالعوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون اللَّه أن لا تدخل عليهم مكة عنوة أبدا ، وهذا هو خالد بن الوليد في خيل قريش قد قدموه إلى كراع الغميم [ ( 1 ) ] ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : يا ويح قريش ، قد أكلتها الحرب . وذكر الحديث فهذا صحيح ، يقول فيه : إنه كان على خيل قريش . أخبرنا إسماعيل بن عبيد اللَّه بن علي وغيره ، قالوا بإسنادهم إلى أبى عيسى محمد بن عيسى ، أخبرنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي هريرة ، قال : نزلنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم منزلا فجعل الناس يمرون ، فيقول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : من هذا يا أبا هريرة ؟ فأقول : فلان ، فيقول : نعم عبد اللَّه هذا ، حتى مر خالد بن الوليد ، فقال : من هذا ؟ قلت : خالد بن الوليد ، فقال : نعم عبد اللَّه خالد بن الوليد ، سيف من سيوف اللَّه . ولعل هذا القول كان بعد غزوة مؤتة ، فإن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إنما سمى خالد سيفا من سيوف اللَّه فيها ، فإنه خطب الناس وأعلمهم بقتل زيد وجعفر وابن رواحة ، وقال : ثم أخد الراية سيف من سيوف اللَّه خالد بن الوليد ، ففتح اللَّه عليه ، وقال خالد : لقد اندق يومئذ في يدي سبعة أسياف فما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية ، ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أعنّة الخيل فيكون في مقدمتها في محاربة العرب ، وشهد مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فتح مكة فأبلى فيها ، وبعثه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى « العزّى » وكان بيتا عظيما لمضر تبجله فهدمها ، وقال : يا عزّ كفرانك لا سبحانك * إني رأيت اللَّه قد أهانك [ ( 2 ) ] ولا يصح لخالد مشهد مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قبل فتح مكة ، ولما فتح رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم مكة بعثه إلى بنى جذيمة من بنى عامر بن لؤيّ ، فقتل منهم من لم يجز له قتله ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم : اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد . فأرسل مالا مع علي بن أبي طالب رضى اللَّه عنه فودى القتلى ، وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم ، حتى ثمن ميلغة [ ( 3 ) ] الكلب ، وفضل معه فضلة من المال فقسمها فيهم ، فلما أخبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بذلك استحسنه . ولما رجع خالد بن الوليد من بنى جذيمة أنكر عليه عبد الرحمن بن عوف ذلك ، وجرى بينهما كلام ، فسب خالد عبد الرحمن بن عوف ، فغضب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وقال لخالد : لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه [ ( 4 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] كراع الغميم : موضع بالحجاز بين مكة والمدينة أمام عسفان بثمانية أميال . [ ( 2 ) ] الرجز في كتاب الأصنام الكلبي : 26 . [ ( 3 ) ] الميلغة : هي الإناء الّذي يشرب منه الكلب . [ ( 4 ) ] المد : ربع الصاع ، وكان أقل ما يتصدق به ، والنصيف : النصف .