ابن الأثير

588

أسد الغابة ( دار الفكر )

وكان على مقدمة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يوم حنين في بنى سليم ، فجرح خالد ، فعاده رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، ونفث في جرحه فبرأ ، وأرسله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى أكيدر [ ( 1 ) ] بن عبد الملك ، صاحب دومة الجندل ، فأسره ، وأحضره عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فصالحه على الجزية ، ورده إلى بلده ، وأرسله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بن مذحج ، فقدم معه رجال منهم فأسلموا ، ورجعوا إلى قومهم بنجران ، ثم إن أبا بكر أمّره بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على قتال المرتدين ، منهم : مسيلمة الحنفي في اليمامة ، وله في قتالهم الأثر العظيم . ومنهم مالك بن نويرة ، في بنى يربوع من تميم وغيرهم ، إلا أن الناس اختلفوا في قتل مالك بن نويرة ، فقيل : إنه قتل مسلما لظنّ ظنه خالد به ، وكلام سمعه منه ، وأنكر عليه أبو قتادة وأقسم أنه لا يقاتل تحت رايته ، وأنكر عليه ذلك عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه . وله الأثر المشهور في قتال الفرس والروم ، وافتتح دمشق ، وكان في قلنسوته التي يقاتل بها شعر من شعر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يستنصر به وببركته ، فلا يزال منصورا . أخبرنا أبو الفضل بن أبي الحسن بن أبي عبد اللَّه المخزومي ، بإسناده إلى أحمد بن علي بن المثنى ، قال : حدثنا سريج بن يونس ، أخبرنا هشيم ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، قال : قال خالد بن الوليد : اعتمرنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في عمرة اعتمرها ، فحلق شعره ، فاستبق الناس إلى شعره ، فسبقت إلى الناصية فأخذتها ، فاتخذت قلنسوة ، فجعلتها في مقدم القلنسوة ، فما وجهته في وجه إلا وفتح له . وروى عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، روى عنه ابن عباس ، وجابر بن عبد اللَّه ، والمقدام بن معديكرب وأبو أمامة بن سهل بن حنيف ، وغيرهم . وروى معمر ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن عبد اللَّه بن عباس ، عن خالد بن الوليد : أنه دخل مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بيت ميمونة ، فأتى بضبّ محنوذ [ ( 2 ) ] ، فأهوى إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يريد أن يأكل منه ، فقالوا : يا رسول اللَّه ، هو ضب . فرفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يده ، فقلت : أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكنه لم يكن بأرض قومي ، فأجدني أعافه . قال خالد : فاجتزرته فأكلته ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ينظر . ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال : لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها ، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنه أو رمية ، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير ، فلا نامت أعين الجبناء ، وما من عمل أرجى من ( لا إله إلا اللَّه ) وأنا متترّس بها . وتوفى بحمص من الشام ، وقيل : بلى توفى بالمدينة سنة إحدى وعشرين ، في خلافة عمر بن الخطاب . وأوصى إلى عمر رضى اللَّه عنه ، ولما بلغ عمر أن نساء بنى المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد ، قال عمر : ما عليهنّ أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة ، قيل : لم تبق امرأة من بنى المغيرة إلا وضعت لمّتها على قبر خالد ، يعنى حلقت رأسها . ولما حضرته الوفاة حبس فرسه وسلاحه في سبيل اللَّه .

--> [ ( 1 ) ] ينظر سيرة ابن هشام : 2 - 526 . [ ( 2 ) ] أي مشوى .