ابن الأثير

498

أسد الغابة ( دار الفكر )

وروى الأوزاعي ، عن شداد بن عبد اللَّه قال : سمعت واثلة بن الأسقع ، وقد جيء برأس الحسين ، فلعنه رجل من أهل الشام ولعن أباه ، فقام واثلة وقال : واللَّه لا أزال أحب عليا والحسن والحسين وفاطمة بعد أن سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول فيهم ما قال ، لقد رأيتني ذات يوم ، وقد جئت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في بيت أم سلمة ، فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله ، ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبله ، ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه ، ثم دعا بعلي ثم قال : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ ( 1 ) ] . قلت لواثلة : ما الرجس ؟ قال : الشك في اللَّه عز وجل . قال أبو أحمد العسكري : يقال إن الأوزاعي لم يرو في الفضائل حديثا غير هذا ، واللَّه أعلم . قال : وكذلك الزهري لم يرو فيها إلا حديثا واحدا ، كانا يخافان بنى أمية . قال الزبير بن بكار : حدثني مصعب قال : حج الحسين خمسا وعشرين حجة ماشيا ، فإذا يكون قد حج وهو بالمدينة قبل دخولهم العراق منها ماشيا فإنه لم يحج من العراق ، وجميع ما عاش بعد مفارقة العراق تسع عشرة سنة وشهورا ، فإنه عاد إلى المدينة من العراق سنة إحدى وأربعين ، وقتل أول سنة إحدى وستين . وكان الحسين كارها لما فعله أخوه الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية ، وقال : أنشدك اللَّه أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ، فقال له الحسن : اسكت ، أنا أعلم بهذا الأمر منك . وكان الحسين رضى اللَّه عنه فاضلا كثير الصوم ، والصلاة ، والحج ، والصدقة ، وأفعال الخير جميعها . وقتل يوم الجمعة وقيل : يوم السبت ، وهو يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق ، وقبره مشهور يزار . وسبب قتله أنه لما مات معاوية بن أبي سفيان كاتب كثير من أهل الكوفة الحسين بن علي ليأتي إليهم ليبايعوه ، وكان قد امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية لما بايع له أبوه بولاية العهد ، وامتنع معه ابن عمر ، وعبد اللَّه بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فلما توفى معاوية لم يبايع أيضا ، وسار من المدينة إلى مكة ، فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة ، فتجهز للمسير ، فنهاه جماعة منهم : أخوه محمد بن الحنفية ، وابن عمر ، وابن عباس ، وغيرهم ، فقال : رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في المنام ، وأمرني بأمر فأنا فاعل ما أمر . فلما أتى العراق كان يزيد قد استعمل عبيد اللَّه بن زياد على الكوفة ، فجهز الجيوش إليه ، واستعمل عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص ، ووعده إمارة الري . فسار أميرا على الجيش وقاتلوا حسينا بعد أن طلبوا منه أن ينزل على حكم عبيد اللَّه بن زياد ، فامتنع ، وقاتل حتى قتل هو وتسعة عشر من أهل بيته ، قتله سنان بن أنس النّخعى ، وقيل : قتله شمر بن ذي الجوشن ، وأجهز عليه خولى ابن يزيد الأصبحي ، وقيل : قتله عمر بن سعد ، وليس بشيء ، والصحيح أنه قتله سنان بن أنس النخعي . وأما قول من قال : قتله شمر وعمر بن سعد ، لأن شمر هو الّذي حرض الناس على قتله وحمل بهم إليه ، وكان عمر أمير الجيش ، فنسب القتل إليه ، ولما أجهز عليه خولى حمل رأسه إلى ابن زياد ، وقال :

--> [ ( 1 ) ] الأحزاب : 33 .