ابن الأثير

499

أسد الغابة ( دار الفكر )

أوقر ركابي فضّة وذهبا * فقد قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا وقيل : إن سنان بن أنس لما قتله قال له الناس : قتلت الحسين بن علي ، وهو ابن فاطمة بنت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ورضى عنها ، أعظم العرب خطرا ، أراد أن يزيل ملك هؤلاء ، فلو أعطوك بيوت أموالهم لكان قليلا ! فأقبل على فرسه ، وكان شجاعا به لوثة ، فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد ، وأنشده الأبيات المذكورة ، فقال عمر : أشهد أنك مجنون ، وحذفه بقضيب [ ( 1 ) ] وقال : أتتكلم بهذا الكلام ! واللَّه لو سمعه زياد لقتلك . ولما قتل الحسين أمر عمر بن سعد نفرا فركبوا خيولهم وأوطئوها الحسين ، وكان عدة من قتل معه اثنين وسبعين رجلا ، ولما قتل أرسل عمر رأسه ورؤوس أصحابه إلى ابن زياد ، فجمع الناس وأحضر الرؤوس ، وجعل ينكت بقضيب بين شفتي الحسين ، فلما رآه زيد بن أرقم لا يرفع قضيبه قال له : أعل [ ( 2 ) ] بهذا القضيب ، فو الّذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما . ثم بكى ، فقال له ابن زياد : أبكى اللَّه عينيك ، فو اللَّه لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك . فخرج وهو يقول : أنتم يا معشر العرب ، العبيد بعد اليوم ، قتلتم الحسين بن فاطمة ، وأمرتم ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، وأكثر الناس مراثيه ، فمما قيل فيه ما قاله سليمان بن قتة الخزاعي [ ( 3 ) ] : مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها حين حلّت فلا يبعد اللَّه البيوت وأهلها * وإن أصبحت منهم برغمى تخلّت وكانوا رجاء ثم عادوا رزية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم * ولم تنك في أعدائهم حين سلت وإن قتيل الطفّ من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت ألم تر أن الأرض أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاد اقشعرّت وقد أعولت تبكى السماء لفقده * وأنجمها ناحت عليه وصلت [ ( 1 ) ] وهي أبيات كثيرة . وقال منصور التنمرى [ ( 4 ) ] : ويلك يا قاتل الحسين لقد * بؤت بحمل ينوء بالحامل أي حبا حبوت أحمد في * حفرته من حرارة الثاكل تعال فاطلب غدا شفاعته * وانهض فرد حوضه مع الناهل ما الشك عندي بحال قاتله * لكنني قد أشكّ بالخاذل كأنما أنت تعجبين ألا * تنزل بالقوم نقمة العاجل لا يعجل اللَّه إن عجلت وما * ربك عما ترين بالغافل ما حصلت لامرئ سعادته * حقت عليه عقوبة الآجل

--> [ ( 1 ) ] حذفه بقضيب : رماه بعصا . [ ( 2 ) ] أي : نح وأبعد . [ ( 3 ) ] الأبيات في الاستيعاب : 394 ، 390 ، وينظر مروج الذهب : 2 - 50 . [ ( 4 ) ] الأبيات في الاستيعاب : 395 ، والقصيدة في الشعر والشعراء : 860 .