ابن الأثير

457

أسد الغابة ( دار الفكر )

تأعيذ نفسي وأعيذ صحبي * من كلّ جنيّ بهذا النّقب حتى أؤوب سالما وركبى فسمع قائلا يقول : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ، لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [ ( 1 ) ] فلما قدم مكة خبّر بذلك في نادى قريش ، فقالوا له : صبأت واللَّه يا أبا كلاب ، إن هذا فيما يزعم محمد أنه نزل عليه ، فقال : واللَّه لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي ، ثم أسلم . ولما افتتح رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خيبر ، قال الحجاج بن علاط : يا رسول اللَّه ، إن لي بمكة مالا . ، وإن لي بها أهلا ، وإني أريد أن آتيهم ، فأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا ؟ . . . أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده إلى يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق قال : حدثني بعض أهل المدينة ، قال : لما أسلم الحجاج بن علاط السلمي شهد خيبر مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، إن لي بمكة مالا على التجار ، ومالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ، أخت بنى عبد الدار ، وأنا أتخوف إن علموا بإسلامي أن يذهبوا بمالي ، فائذن لي باللحوق به ، لعلى أتخلصه ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : قد فعلت ، فقال : يا رسول اللَّه ، إنه لا بد لي من أن أقول ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم : قل وأنت في حل . فخرج الحجاج ، قال : فلما انتهيت إلى ثنيّة البيضاء [ ( 2 ) ] إذا بها نفر من قريش يتجسسون الأخبار ، فلما رأوني قالوا : هذا الحجاج وعنده الخبر ، قلت : هزم الرجل أقبح هزيمة سمعتم بها ، وقتل أصحابه ، وأخذ محمد أسيرا ، فقالوا : لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة ، فيقتل بين أظهرهم . ثم جئنا مكة فصاحوا بمكة ، وقالوا : هذا الحجاج قد جاءكم بالخبر أن محمدا قد أسر ، وإنما تنتظرون أن تؤتوا به فيقتل بين أظهركم ، فقلت : أعينوني على جمع مالي فإنّي أريد أن ألحق بخيبر ، فأشترى مما أصيب من محمد ، قبل أن يأتيهم التجار ، فجمعوا مالي أحث جمع ، وقلت لصاحبتى : مالي مالي ، لعلى ألحق فأصيب من فرص البيع ، فدفعت إلى مالي . فلما استفاض ذكر ذلك بمكة أتاني العباس ، وأنا قائم في خيمة تاجر ، فقام إلى جانبي منكسرا مهموما ، فقال : يا حجاج ، ما هذا الخبر ؟ فقلت : استأخر عنى حتى تلقاني خاليا ، ففعل ، ثم قصد إلي ، فقال : يا حجاج ، ما عندك من الخبر ؟ فقلت : الّذي واللَّه يسرك ، تركت واللَّه ابن أخيك قد فتح اللَّه عليه خيبر ، وقتل من قتل من أهلها ، وصارت أموالها له ولأصحابه ، وتركته عروسا على ابنة ملكهم ، ولقد أسلمت ، وما جئت إلا لآخذ مالي ، ثم ألحق برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، فأكتم على الخبر ثلاثا ، فانى أخشى الطلب ، وانطلقت . فلما كان اليوم الثالث لبس العباس حلة ، وتخلق ، ثم أخذ عصاه ، وخرج إلى المسجد ، واستلم الركن ، فنظر إليه رجال من قريش ، فقالوا : يا أبا الفضل ، هذا واللَّه التجلد على حر المصيبة ، فقال : كلا ، والّذي

--> [ ( 1 ) ] الرحمن : 23 . [ ( 2 ) ] موضع قرب المدينة بجانب الرَّبَذَة .