ابن الأثير
10
أسد الغابة ( دار الفكر )
من أمور الدين ، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها ، وأولهم والمقدم عليهم أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؛ فإذا جهلهم الإنسان كان بغيرهم أشد جهلا ، وأعظم إنكارا ، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم هم وغيرهم من الرواة ، حتى يصح العمل بما رواه الثقات منهم ، وتقوم به الحجة ، فان المجهول لا تصح روايته ، ولا ينبغي العمل بما رواه ، والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل ، فإنهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح ؛ لأن اللَّه عز وجل ورسوله زكياهم وعدلاهم ، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره ، ويجيء كثير منه في كتابنا هذا ، فلا نطول به هنا . وقد جمع الناس في أسمائهم كتبا كثيرة ، ومنهم من ذكر كثيرا من أسمائهم في كتب الأنساب والمغازي وغير ذلك ، واختلفت مقاصدهم فيها ، إلا أن الّذي انتهى إليه جمع أسمائهم الحافظان أبو عبد اللَّه ابن مندة [ ( 1 ) ] وأبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهانيان [ ( 2 ) ] ، والإمام أبو عمر بن عبد البر [ ( 3 ) ] القرطبي رضى اللَّه عنهم ، وأجزل ثوابهم ، وحمد سعيهم ، وعظم أجرهم وأكرم مآبهم ، فلقد أحسنوا فيما جمعوا ، وبذلوا جهدهم وأبقوا بعدهم ذكرا جميلا ؛ فاللَّه تعالى يثيبهم أجرا جزيلا ؛ فإنهم جمعوا ما تفرق منه . فلما نظرت فيها رأيت كلا منهم قد سلك في جمعه طريقا غير طريق الآخر ، وقد ذكر بعضهم أسماء لم يذكرها صاحبه ، وقد أتى بعدهم الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني [ ( 4 ) ] ، فاستدرك على ابن مندة ما فاته في كتابه ، فجاء تصنيفه كبيرا نحو ثلثي كتاب ابن مندة . فرأيت أن أجمع بين هذه الكتب ، وأضيف إليها ما شذ عنها مما استدركه أبو علي الغساني [ ( 5 ) ] ، على أبى عمر بن عبد البر ، كذلك أيضا ما استدركه عليه آخرون وغير من ذكرنا فلا نطول بتعداد أسمائهم هنا ، ورأيت ابن مندة وأبا نعيم وأبا موسى عندهم أسماء ليست عند ابن عبد البر ، وعند ابن عبد البر أسماء ليست عندهم . فعزمت أن أجمع بين كتبهم الأربعة ، وكانت العوائق تمنع والأعذار تصد عنه ، وكنت حينئذ ببلدى وفي وطني ، وعندي كتبي وما أراجعه من أصول سماعاتي ، وما أنقل منه ، فلم يتيسر ذلك لصداع الدنيا وشواغلها .
--> [ ( 1 ) ] هو أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن مندة ، كان أحد الحفاظ الثقات . توفى سنة 301 ، ينظر الوفيات : 3 - 416 والعبر ، 2 - 120 . [ ( 2 ) ] قال عنه الذهبي في العبر 3 - 170 : « تفرد في الدنيا بعلو الإسناد مع الحفظ والاستبحار من الحديث وفنونه . . . وصنف التصانيف الكبار » توفى سنة 430 ه وينظر الوفيات : 1 - 75 . [ ( 3 ) ] هو أبو عمر يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر ، صاحب كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، له تصانيف أخرى ، قال الذهبي : « ليس لأهل المغرب أحفظ منه » توفى سنة 463 . [ ( 4 ) ] هو أبو موسى المديني محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الحافظ ، يقول الذهبي في العبر 4 - 246 : « كان مع براعته في الحفظ والرجال صاحب ورع وعبادة وجلالة وتقى » توفى في جمادى الأولى سنة 581 . [ ( 5 ) ] هو الحسين بن محمد الجياني الأندلسي الحافظ ، كان أحد أعلام الحديث بقرطبة ، روى عن ابن عبد البر وطبقته ، توفى سنة 498 . وقد ذكر السهيليّ في الروض الأنف 2 - 198 أن أبا على قد ألحق استدراكاته بالاستيعاب ، وأن أبا عمر أوصى أبا على بقوله : « أمانة اللَّه في عنقك متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة » إلا ألحقته في كتابي الّذي في الصحابة » .