ابن الأثير

11

أسد الغابة ( دار الفكر )

فاتفق أنى سافرت إلى البلاد الشامية عازما على زيارة البيت المقدس ، جعله اللَّه سبحانه وتعالى دارا للإسلام أبدا ؛ فلما دخلتها اجتمع بي جماعة من أعيان المحدثين ، وممن يعتنى بالحفظ والإتقان فكان فيما قالوه : إننا نرى كثيرا من العلماء الذين جمعوا أسماء الصحابة يختلفون في النسب والصحبة والمشاهد التي شهدها الصاحب ، إلى غير ذلك من أحوال الشخص ولا نعرف الحق فيه ، وحثوا عزمي على جمع كتاب لهم في أسماء الصحابة ، رضى اللَّه عنهم ؛ أستقصى فيه ما وصل إلى من أسمائهم ، وأبين فيه الحق فيما اختلفوا فيه ، واللَّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ؛ مع الإتيان بما ذكروه واستدراك ما فاتهم ، فاعتذرت إليهم بتعذر وصولي إلى كتبي وأصولي وأنني بعيد الدار عنها ، ولا أرى النقل إلا منها فألحوا في الطلب ؛ فثار العزم الأول وتجدد عندي ما كنت أحدث به نفسي ، وشرعت في جمعه والمبادرة إليه ، وسألت اللَّه تعالى أن يوفقني إلى الصواب في القول والعمل ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم بمنه وكرمه واتفق أن جماعة كانوا قد سمعوا على أشياء بالموصل وساروا إلى الشام فنقلت منها أحاديث مسندة وغير ذلك ، ثم إنني عدت إلى الوطن بعد الفراغ منه وأردت أن أكثر الأسانيد وأخرج الأحاديث التي فيه بأسانيدها ، فرأيت ذلك متعبا يحتاج أن أنقض كل ما جمعت ، فحملني الكسل وحب الدعة والميل إلى الراحة إلى أن نقلت ما تدعو الضرورة إليه ، مما لا يخل بترتيب ، ولا يكثر إلى حد الإضجار والإملال ، وأنا أذكر كيفية وضع هذا الكتاب ، ليعلم من يراه شرطنا وكيفيته ، واللَّه المستعان فأقول : إني جمعت بين هذه الكتب كما ذكرته قبل ، وعلمت على الاسم علامة ابن مندة صورة ( د ) وعلامة أبى نعيم صورة ( ع ) ، وعلامة ابن عبد البر صورة ( ب ) وعلامة أبى موسى صورة ( س ) فإن كان الاسم عند الجميع علمت عليه جميع العلائم ، وإن كان عند بعضهم علمت عليه علامته ، وأذكر في آخر كل ترجمة اسم من أخرجه ؛ وإن قلت أخرجه الثلاثة فأعنى ابن مندة وأبا نعيم وأبا عمر بن عبد البر ؛ فان العلائم ربما تسقط من الكتابة وتنسى ، ولا أعنى بقولي أخرجه فلان وفلان أو الثلاثة أنهم أخرجوا جميع ما قلته في ترجمته ؛ فلو نقلت كل ما قالوه لجاء الكتاب طويلا ؛ لأن كلامهم يتداخل ويخالف بعضهم البعض في الشيء بعد الشيء ، وإنما أعنى أنهم أخرجوا الاسم . ثم إني لا اقتصر على ما قالوه إنما أذكر ما قاله غيرهم من أهل العلم ، وإذا ذكرت اسما ليس عليه علامة أحدهم فهو ليس في كتبهم . ورأيت ابن مندة وأبا نعيم قد أكثرا من الأحاديث والكلام عليها ، وذكرا عللها ، ولم يكثرا من ذكر نسب الشخص ، ولا ذكر شيء من أخباره وأحواله ، وما يعرف به ، ورأيت أبا عمر قد استقصى ذكر الأنساب وأحوال الشخص ومناقبه ، وكل ما يعرفه به ؛ حتى إنه يقول : هو ابن أخي فلان وابن عم فلان وصاحب الحادثة الفلانية ، وكان هذا هو المطلوب من التعريف ؛ اما ذكر الأحاديث وعللها وطرقها فهو بكتب الحديث أشبه ؛ إلا أنى نقلت من كلام كل واحد منهم أجوده وما تدعو الحاجة إليه طلبا للاختصار ، ولم أخل بترجمة واحدة من كتبهم جميعها بل أذكر الجميع ، حتى إنني أخرج الغلط كما ذكره المخرج له ، وأبين الحق والصواب فيه إن علمته ؛ إلا أن يكون أحدهم قد أعاد الترجمة بعينها ، فأتركها وأذكر ترجمة واحدة ، وأقول : قد أخرجها فلان في موضعين من كتابه .