علي بن محمد البغدادي الماوردي
84
أدب الدنيا والدين
فلينظرن إلى من فوقه أدبا * ولينظرن إلى من دونه مالا وقلما تجد بالعلم معجبا وبما أدركه منه مفتخرا إلا من كان فيه مقلا ومقصرا لأنه قد يجهل قدره ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره فأما من كان فيه متوجها ومنه مستكثرا فهو يعلم من بعد غايته والعجز عن إدراك نهايته ما يصده عن العجب به . وقد قال الشعبي : العلم ثلاثة أشبار فمن نال منه شبرا شمخ « 1 » أنفه وظن أنه ناله ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدا . ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس وأجهدت فيه نفسي وكددت « 2 » فيه خاطري حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا « 3 » بعلمه حضرني وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابا فأطرقت مفكرا وبحالي وحالهما معتبرا . فقالا : ما عندك في ما سألناك جواب وأنت زعيم هذه الجماعة فقلت : لا . فقالا : واها « 4 » لك وانصرفا ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما وانصرفا عنه راضيين بجوابه حامدين لعلمه فبقيت مرتبكا « 5 » وبحالهما وحالي معتبرا وأني لعلى ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل بهما قياد النفس وانخفض لهما جناح العجب توفيقا منحته ورشدا أوتيته وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن فقد نهى الناس عنهما واستعاذوا باللّه منهما . ومن أوضح ذلك بيانا استعاذة الجاحظ « 6 » في كتاب البيان حيث يقول : اللهم
--> ( 1 ) شمخ بأنفه تكبر ، من شمخ الجبل إذا علا وطال إلى السماء . ( 2 ) كددت : اتعبت . ( 3 ) اضطلاعا : أي قوة واطلاعا . ( 4 ) واها لك : كلمة تعجب ، من حسن الشيء وطيبه ، في التلهف والتأسف . ( 5 ) مرتبكا : مضطربا من ارتبك الصيد في الحبالة - الشبكة - إذا اضطرب أو من ارتبك في الوحل إذا وقع فيه . ( 6 ) الجاحظ : هو عمرو بن بحر ، ويكنى بأبي عثمان ، ويعرف بالجاحظ وبالحدقى ، والأول أشهر ، إمام الفصحاء ، والمتكلمين الذي ملأت الآفاق أخباره ، حتى قيل : مما فضل اللّه أمة محمد على غيرها من الأمم ، عمر بن الخطاب بسياسته ، والحسن البصري بعلمه ، والجاحظ ببيانه ، ولد بالبصرة ، ونشأ ببغداد ، واشتغل على أبي إسحاق النظام ، وتأمل كتب الفلسفة ، وما إلى الطبيعيين منهم وأما مصنفاته الأدبية مثل كتاب « البيان والتبيين » وكتاب « الحيوان » وكتاب « الأمصار » وغيرها من الرسائل فكثيرة جدا ، مشحونة بأنواع الفضائل ، وله أخبار ظريفة كثيرة ، ونثر طائل ، ونظم ضعيف ، ومن نوادره قال : أتيت منزل صديق فطرقت الباب ، فخرجت إليّ جارية سندية ، فقلت : قولي لسيدك « الجاحظ بالباب » فقالت : أقول : « الحاجد بالباب » على لغتها ، فقلت : لا قولي : « الحدقي بالباب » فقالت أقول : « الحلقي بالباب » فقلت : لا تقولي شيئا ، ورجعت . وكان بشع المنظر ، إلا أن بيانه كان عنه .