علي بن محمد البغدادي الماوردي
85
أدب الدنيا والدين
إنا نعوذ بك من فتنة « 1 » القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن ونعوذ من شر السلاطة « 2 » والهذر « 3 » كما نعوذ بك من شر العي والحصر « 4 » ونحن نستعيذ باللّه تعالى مثل ما استعاذ فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا حد يقف عنده ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من سئل فأفتى بغير علم فقد ضل وأضل » . وقال بعض الحكماء : من العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم فحسبك جهلا من عقلك أن تنطق بما لا تفهم ولقد أحسن زيادة بن زيد حيث يقول : إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده * أطال فأملى أو تناهى فأقصرا ويخبرني عن غائب المرء فعله * كفى الفعل عما غيب المرء مخبرا فإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم سبيل فلا عار أن يجهل بعضه وإذا لم يكن في جهل بعضه عار لم يقبح به أن يقول لا أعلم فيما ليس يعلم . وروي أن رجلا قال : يا رسول اللّه أي البقاع « 5 » خير وأي البقاع « 6 » شر فقال : لا أدري حتى أسأل جبريل . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : وما أبردها على القلب إذا سئل أحدكم فيما لا يعلم أن يقول اللّه أعلم وإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل . وقال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله . وقال بعض
--> ( 1 ) فتنة القول والعمل : كالعجب ، والغرور بالعلم والرياء والسحقة بالعمل . ( 2 ) السلاطة : حدة اللسان . ( 3 ) الهذر : إكثار الكلام بغير فائدة . ( 4 ) والحصر : يقال : حصر حصرا إذا أعيا ، واستحي ، أو ضاق صدره . ( 5 ) أي البقاع خير . . . رواه ابن حيان عن ابن غمر . ( 6 ) البقاع : جمع بقعة وهي القطعة من الأرض .