علي بن محمد البغدادي الماوردي
80
أدب الدنيا والدين
ولا ينبغي « 1 » أن يبعثه معرفة « 2 » الحق له على قبول الشبهة منه ولا يدعوه ترك الاعنات له على التقليد « 3 » فيما أخذ عنه فإنه ربما غالى « 4 » بعض الأتباع في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل وإن لم يستدل وأن اعتقاده حجة وإن لم يحتج فيفضي به الأمر إلى التسليم له فيما أخذ عنه ويؤول به ذلك إلى التقصير فيما يصدر منه لأنه يجتهد بحسب اجتهاد من يأخذ عنه فلا يبعد أن تبطل تلك المقالة إن انفردت أو يخرج أهلها من عداد العلماء فيما شاركت لأنه قد لا يرى لهم من يأخذ عنهم ما كانوا يرونه لمن أخذوا عنه فيطالبهم بما قصروا فيه فيضعفوا عن إبانته ويعجزوا عن نصرته فيذهبوا ضائعين ويصيروا عجزة مضعوفين . ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلا يناظر في مجلس حفل « 5 » وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة فكان جوابه عنها أن قال : إن هذه دلالة فاسدة ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه فأمسك عنه المستدل تعجبا ولأن شيخه كان محتشما « 6 » وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل ثم أقبل المستدل عليّ وقال لي : واللّه لقد أفحمني بجهله وصار سائر الناس المبرءين من هذه الجهالة من بين مستهزئ ومتعجب ومستعيذ باللّه من جهل مغرب « 7 » فهل رأيت كذلك عالما أوغل « 8 » في الجهل وأدل على قلة العقل وإذا كان المتعلم معتدل الرأي فيمن يأخذ عنه متوسط الاعتقاد فيمن يتعلم منه حتى لا يحمله الاعنات على اعتراض المبكتين ولا يبعثه الغلو على تسليم المقلدين برئ المتعلم من المذمتين « 9 » وسلّم العالم من الهجنتين وليس كثرة السؤال فيما التبس إعناتا ولا قبول ما صح في النفس
--> ( 1 ) ولا ينبغي له : أي للمتعلم . ( 2 ) معرفة الحق له : أي معرفة حق التعليم للعالم . ( 3 ) التقليد : هو قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل . ( 4 ) غالي : من الغلو وهو المبالغة المفرطة . قال تعالى : لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ . ( 5 ) حفل : أي جمع كثير . ( 6 ) محتشما : ذا أشباع أو صاحب منزلة عند السلطان . ( 7 ) مغرب : من أغرب الرجل إذا أتى بشيء غريب . ( 8 ) أوغل : أدخل ، يقال : وغل الرجل من باب وعد أي دخل على القوم في شرابهم فشرب معهم من غير أن يدعى إليه . ( 9 ) المذمّتين : هما : الإعنات والتقليد .