علي بن محمد البغدادي الماوردي

77

أدب الدنيا والدين

التوفر ويحصل به الاستكثار ( والسابع ) عدم القواطع المذهلة من هموم وأشغال وأمراض ( والثامن ) طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال ( والتاسع ) الظفر بعالم سمح بعلمه متأن في تعليمه . فإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب وأنجح متعلم . وقد قال الإسكندر : يحتاج طالب العلم إلى أربع : مدة وجدة وقريحة وشهوة وتمامها في الخامس معلم ناصح . ( فصل ) وسأذكر طرفا مما يتأدب به المتعلم ويكون عليه العالم . اعلم أن للمتعلم في زمان تعلمه ملقا « 1 » وتذللا إن استعملهما غنم وإن تركهما ندم لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه والتذلل له سبب لإدامة صبره وبإظهار مكنونه تكون الفائدة وباستدامة صبره يكون الاكثار . وقد روى معاذ « 2 » عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ليس من أخلاق « 3 » المؤمن الملق إلا في طلب العلم » . وقال عبد اللّه ابن عباس رضي اللّه عنهما : ذللت طالبا فعززت مطلوبا . وقال بعض الحكماء : من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا . وقال بعض حكماء الفرس : إذا قعدت وأنت صغير حيث تحب قعدت وأنت كبير حيث لا تحب . ثم ليعرف له فضل علمه وليشكر له جميل فعله . فقد روت عائشة رضي اللّه عنها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من وقر عالما فقد وقر ربه » . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : لا يعرف فضل أهل الفضل إلا أهل الفضل . وقال بعض الشعراء : إن المعلم والطبيب كلاهما * لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه * واصبر لجهلك إن جفوت معلما

--> ( 1 ) تملقا : توددا وتلطفا . ( 2 ) معاذ بن جبل : أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة ، شهد العقبة الثانية والمشاهد كلها وروى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( 157 ) حديثا . توفي في طاعون عمواس سنة 18 ه - وعمره ( 33 ) سنة . ( 3 ) ليس من أخلاق من المؤمن الملق : مراده بالملق الزيادة في التودد فينبغي للمتعلم التملق للعالم لينصحه في تعليمه ، وينبغي له إذا رأى من فضل عليه في العلم أن يوبّخ نفسه ويحملها على الجد في الطلب ليصير مثله .