علي بن محمد البغدادي الماوردي

78

أدب الدنيا والدين

ولا يمنعه من ذلك علو منزلته إن كانت له وإن كان العالم خاملا « 1 » فإن العلماء بعلمهم قد استحقوا التعظيم لا بالقدرة والمال . وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد : لا تحقرن عالما وإن خلقت « 2 » * أثوابه في عيون رامقه « 3 » وانظر إليه بعين ذي أدب * مهذب الرأي في طرائقه فالمسك بينا تراه ممتهنا * بفهر « 4 » عطاره وساحقه « 5 » حتى تراه في عارضي « 6 » ملك * وموضع التاج من مفارقه « 7 » وليكن مقتديا بهم في رضى أخلاقهم متشابها بهم في جميع أفعالهم ليصير لها آلفا وعليها ناشئا ولما خالفها مجانبا . فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « خيار شبابكم المتشبهون بشيوخكم وشرار شيوخكم المتشبهون بشابكم » . وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من تشبه « 8 » بقوم فهو منهم » : وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد : العالم العاقل ابن نفسه * أغناه جنس علمه « 9 » علمه عن جنسه كن ابن من شئت وكن مؤدبا * فإنما المرء بفضل كيسه « 10 » وليس من تكرمه لغيره * مثل الذي تكرمه لنفسه وليحذر المتعلم التبسيط « 11 » على من يعلمه وإن آنسه والادلال عليه وإن

--> ( 1 ) خاملا : لا منزلة له ولا شهرة له بين الناس . ( 2 ) خلقت : بليت . ( 3 ) رامقه : ناظره . ( 4 ) الفهر : بكسر فسكون : الحجر قدر ما يدق به الجوز ، أو يملأ الكف . ( 5 ) وساحقه : السحق : الدق أو دون الدق ، يعني التليين . ( 6 ) عارضي ملك : في صفحة خديه . ( 7 ) مفارقه : يعني لحيته وشعر رأسه . ( 8 ) من تشبه بقوم : قال المناوي : أي تزيا في ظاهره بزيهم قال العلقمي : أي في لبسهم وبعض أنعالهم . ( 9 ) أغناه جنس علمه . . . : أي أغناه الانتساب بالعلم عن الانتساب بآبائه . ( 10 ) كيسه : الكيس : الذكاء والفطنة ، مقابل الحمق والبلاهة . ( 11 ) البسط : التسلط والاستيلاء على طريق الإدلال .