علي بن محمد البغدادي الماوردي

52

أدب الدنيا والدين

أعطاهم الجدل ومنعهم العمل . وأنشد الرياشي « 1 » لمصعب بن عبد اللّه « 2 » : أجادل كل معترض ظنين « 3 » * فأجعل دينه غرضا « 4 » لديني وأترك ما علمت لرأي غيري * وليس الرأي كالعلم اليقين وما أنا والخصومة وهي شيء * يصرف في الشمال وفي اليمين « 5 » فأما ما علمت فقد كفاني * وأما ما جهلت فجنبوني وقد بين ذلك بعض العلماء فقال لصاحبه : لا يمنعك حذر المراء من حسن المناظرة فإن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم منه أحد ولا يرجو أن يتعلم من أحد . وأعلم أن لكل مطلوب باعثا والباعث على المطلوب شيئان رغبة أو رهبة فليكن طالب العلم راغبا راهبا . أما الرغبة ففي ثواب اللّه تعالى لطالبي مرضاته وحافظي مفترضاته . وأما الرهبة فمن عقاب اللّه تعالى لتاركي أوامره ومهملي زواجره فإذا اجتمعت الرغبة والرهبة أدتا إلى كنه « 6 » العلم وحقيقة الزهد لأن الرغبة أقوى الباعثين على العلم والرهبة أقوى السببين في الزهد .

--> ( 1 ) الرّياشي : بكسر الراء وتخفيف الياء نسبة لرياش : رجل من أجذم ، كان أبوه مملوكا له ، وهو أبو الفضل العباسي ، أخذ عنه المبرد وابن دريد ، قال المبرد : سمعت المازني يقول : قرأ عليّ الرّياشي كتاب سيبويه فاستفدت منه أكثر مما استفاد مني . قتل بالبصرة وكان قائما يصلي الضحى في مسجده سنة 257 ومن شعره : أنكرت من بصرى ما كنت أعرفه * واسترجع الدهر ما قد كان يعطينا أبعد سبعين قد ولت وسابقه * ابغي الذي كنت أبغيه ابن عشرينا ( 2 ) مصعب بن عبد اللّه : بن ثابت الزبيري الحافظ أحد رواة الإمام مالك ، ويروي عنه الشيخان ، وغيرهما . ( 3 ) ظنين : متهم ، والظنة بالكسر : التهمة ، وفي القرآن وما هو على الغيب بظنين بمتهم . وقوله : « أجادل » على الاستفهام الانكاري . ( 4 ) غرضا : هدفا ومرمى . والمراد أرميه لدينه المعوج ، فيرميني لديني القويم ، أي لا أفعل ذلك . وفي القرآن وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ . ( 5 ) في الشمال وفي اليمين : كناية عن أنه يصرف الكلام تارة نحو الباطل وتارة نحو الحق والمراد انه بما لا يعرف . ( 6 ) كنه العلم : حقيقته وذاته ، والمراد أن يعرفه دون تخليط ووهم .