علي بن محمد البغدادي الماوردي

53

أدب الدنيا والدين

وقد قالت الحكماء : أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة وأصل الزهد الرهبة وثمرته العبادة فإذا اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة وإن افترقا فيا ويح « 1 » مفترقين فما أضر افتراقهما وأقبح انفرادهما . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من ازداد « 2 » في العلم رشدا ولم يزدد في الدنيا زهدا لم يزدد من اللّه إلا بعدا » . وقال مالك بن دينار « 3 » من لم يؤت من العلم ما يقمعه « 4 » فما أوتي منه لا ينفعه . وقال بعض الحكماء : الفقيه بغير ورع كالسراج يضيء البيت ويحرق نفسه . ( فصل ) واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها ومداخل تفضي إلى حقائقها فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها ولا يطلب الآخر قبل الأول ولا الحقيقة قبل المدخل فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة لأن البناء على غير أس « 5 » لا يبنى الثمر من غير غرس لا يجنى ولذلك أسباب فاسدة ودواع واهية . فمنها أن يكون في النفس أغراض تختص بنوع من العلم فيدعوه الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته كرجل يؤثر القضاء ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه إلى أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات . أو يجب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات لئلا يصير موسوما بجل ما يعاني « 6 » فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره « 7 » وأدرك منه مشهورة ولم ير ما بقي إلا غامضا طلبه عناء وعويصا « 8 » استخراجه فناء لقصور همته على ما

--> ( 1 ) يا ويح : ويح : كلمة رحمة وشفقة وأصله عند البعض « وى » ، وهي كلمة تعجب ، تكون متصلة بالحاء تارة فيقال : « ويح » في محل الرحمة والشفقة ، وموصولة باللام تارة فيقال : « ويل » وهي كلمة عذاب . ( 2 ) من ازداد علما . . . : رواه أبو نعيم عن علي رضي اللّه عنه . ( 3 ) مالك بن دينار : أبو يحيى البصري العالم التقي ، والزاهد النقي وكان يتعيش بكد يمينه ، ويكتب المصحف الشريف ، توفي سنة 131 بالبصرة . ( 4 ) بقمعه : يصرفه عن الدنيا ، من قمع فلانا إذا صرفه عما يريده وبابه منع . ( 5 ) أس : أساس ، وهو الأصل الذي يبنى عليه غيره . ( 6 ) يعاني : يقاسي ، والمعاناة : المقاساة . ( 7 ) جمهوره : كثيره ، ومعظمه . ( 8 ) عويصا : صعبا ، يقال : أمر عويص ، أي صعب شديد