علي بن محمد البغدادي الماوردي

40

أدب الدنيا والدين

الدين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف « 1 » عابد ولكل شيء عماد وعماد الدين الفقه . وربما مال بعض المتهاونين بالدين إلى العلوم العقلية ورأى أنها أحق بالفضيلة وأولى بالتقدمة استثقالا لما تضمنه الدين من التكليف واسترذالا « 2 » لما جاء به الشرع من التعبد والتوقيف والكلام مع مثل هذا في أصل لا يتسع له هذا الفصل ولن ترى ذلك فيمن سلمت فطنته وصحت رويته لأن العقل يمنع من أن يكون الناس هملا « 3 » أو سدى يعتمدون على آرائهم المختلفة وينقادون لأهوائهم المتشعبة لما تؤول إليه أمورهم من الاختلاف والتنازع وتفضي إليه أحوالهم من التباين والتقاطع فلم يستغنوا عن دين يتألفون به ويتفقون عليه ثم العقل موجب له أو تابع له ولو تصور هذا المختل التصور أن الدين ضرورة في العقل وأن العقل للدين أصل لقصر عن التقصير وأذعن للحق ولكن أهمل نفسه فضل وأضل . وقد يتعلق بالدين علوم قد بين الشافعي « 4 » رحمه اللّه فضيلة كل واحد منها فقال : من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن الفقه نبل « 5 » مقداره ومن كتب الحديث قويت حجته ومن تعلم الحساب جزل « 6 » رأيه ومن تعلم اللغة رق طبعه ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه . ولعمري إن صيانة النفس أصل الفضائل لأن من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه العلم من فضيلته وتوكلا على ما يلزم الناس من صيانته

--> ( 1 ) من ألف عابد : أي غير فقيه . ( 2 ) واسترذالا : في القاموس : استرذله : ضد استجاده . ( 3 ) هملا : بفتحتين ، وسدى على وزن هدى ، يقال : إبل همل أي سدى ، غير مقيدة متروكة ليلا ونهارا ، بغير راع يرعاها . ( 4 ) الشافعي : محمد بن إدريس ، وهو إمام الأنام ، ونظام الإسلام ، وأحد الأئمة الأربعة . ولد في غزة بفلسطين . قال المبرد : كان الشافعي رحمه اللّه أشعر الناس ، وأدب الناس ، وأعرفهم بالفقه ، والقراءات . كانت وفاته في رجب ليلة الجمعة سنة 204 ، ودفن في صبحيتها وهو ابن 54 سنة ومن كلامه : « أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ورغب في مودة من لا ينفعه ، وقبل مدح من لا يعرفه » وقال رحمه اللّه : « من غلبت عليه شدة الشهوة بحب الدنيا لزمته العبودية لأهلها » . ( 5 ) نبل مقداره : علا قدره . ( 6 ) جزل : قوي وحسن .