علي بن محمد البغدادي الماوردي
41
أدب الدنيا والدين
سلبوه فضيلة علمه ووسموه بقبيح تبذله « 1 » فلم يف ما أعطاه العلم بما سلبه التبذل لأن القبيح آنم « 2 » من الجميل والرذيلة أشهر من الفضيلة إذ الناس لما في طبائعهم البغضة والحسد ونزاع المنافسة « 3 » تنصرف عيونهم عن المحاسن إلى المساوئ فلا ينصفون محسنا ولا يحابون مسيئا لا سيما من كان بالعلم موسوما وإليه منسوبا فإن زلته لا تقال « 4 » وهفوته « 5 » لا تعذر إما لقبح أثرها واغترار كثير من الناس بها . وقد قيل في منثور الحكم : زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير . وقيل لعيسى بن مريم عليه السلام : من أشد الناس فتنة قال زلة العالم إذا زل هلك بزلته عالم كثير فهذا وجه وإما لأن الجهال بذمه أغرى « 6 » وعلى تنقيصه أجرا ليسلبوه فضيلة التقدم ويمنعوه مباينة التخصيص عنادا لما جهلوه ومقتا « 7 » لما باينوه لأن الجاهل يرى العلم تكلفا ولؤما كما أن العالم يرى الجهل تخلفا وذما . وأنشدت عن الربيع للشافعي رضي اللّه عنه : ومنزلة السفيه من الفقيه * كمنزلة الفقيه من السفيه فهذا زاهد في قرب هذا * وهذا فيه أزهد منه فيه إذا غلب الشقاء على سفيه * تنطع في مخالفة الفقيه وقال يحيى بن خالد « 8 » لابنه : عليك بكل نوع من العلم فخذ منه فإن
--> ( 1 ) تبذله : التبذل : ضد الصيانة . ( 2 ) آنم : أشبع . ( 3 ) المنافسة : نافس في الشيء منافسة ، ونفاسا بالكسر ، إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم وتنافسوا فيه : أي رغبوا ه - . مختار . ( 4 ) لا تقال : لا يقص عنها . ( 5 ) وهفوته لا تقدر : لأن العيب الصغير يعظم في حق أهل المروءات . ( 6 ) أغرى : أحرص وأدلع ، يقال : غرى به إذا أولع . ( 7 ) ومقتا : بغضا ، يقال مقته إذا أبغضه . ( 8 ) يحيى بن خالد : البرمكي وزير المهدي ، قال أبو العيناء : تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية ، وعلى البرامكة في الدولة العباسية وفي يحيى يقول القائل : سألت الندى هل أنت حر فقال : لا * ولكني عبد ليحيى بن خالد فقلت : شراء قال : لا ، * بل وراثه توارثينه والد عن والد