علي بن محمد البغدادي الماوردي
353
أدب الدنيا والدين
في الأموال فتتنوّع ثلاثة أنواع : مسامحة إسقاط لعدم ومسامحة تخفيف لعجز ومسامحة إنكار لعسرة وهي مع اختلاف أسبابها تفضل مأثور وتألف مشكور وإذا كان الكريم قد يجود بما تحويه يده وينفذ فيه تصرّفه كان أولى أن يجود بما خرج عن يده فطاب نفسا بفراقه . وقد تصل المسامحة في الحقوق إلى من لا يقبل البر ويأبى الصلة فيكون أحسن موقعا وأزكى محلا وربما كانت المسامحة فيها آمن من ردّ السائل ومنع المجتدي لأن السائل كما اجترأ على سؤالك فسيجترئ على سؤال غيرك إذ رددته وليس كل من صار أسير حقك ورهين دينك يجد بدّا من مسامحتك ومياسرتك ثم لك مع ذلك حسن الثناء وجزيل الأجر . وقال محمود الوراق رحمه اللّه : المرء بعد الموت أحدوثة * يفنى وتبقى منه آثاره فأحسن الحالات حال امرئ * تطيب بعد الموت أخباره فهذه حال المياسرة . وأما الافضال فنوعان : إفضال اصطناع وإفضال استكفاف ودفاع فأما إفضال الاصطناع فنوعان : أحدهما ما أسداه جودا في شكور والثاني ما تألف به نبوة نفور وكلاهما من شروط المروءة لما فيهما من ظهور الاصطناع وتكاثر الأشياع والأتباع ومن قلت صنائعه في الشاكرين وأعرض عن تألف النافرين كان فردا مهجورا وتابعا محقورا ولا مروءة لمتروك مطرح ولا قدر لمحقور مهتضم . وقال عمر بن عبد العزيز ما طاوعني الناس على شيء أردته من الحق حتى بسطت لهم طرفا من الدنيا . وقال بعض الحكماء : أقل ما يجب للمنعم بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصيته . وأنشدت لبعض الأعراب : من جمع المال ولم يجد به * وترك المال لعام جد به هان على الناس هوان كلبه وقال إسحاق بن « 1 » إبراهيم الموصلي : يبقى الثناء وتذهب الأموال * ولكل دهر دولة ورجال
--> ( 1 ) إسحاق الموصلي : أطبع المغنين المتأخرين ، كما أن معبد بن وهب أطبع المغنين المتقدمين ، كان محل إسحاق من العلم والأدب والرواية وتقدمه في الشعر وسائر المحاسن أشهر من أن يوصف ، وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما وسم به ، وكان أجود الناس بالمال ، وأغلبهم بالغناء ، ومات وهو أشعر أهل زمانه .