علي بن محمد البغدادي الماوردي

354

أدب الدنيا والدين

ما نال محمدة الرجال وشكرهم * إلّا الجواد بماله المفضال لا ترض من رجل حلاوة قوله * حتى يصدّق ما يقول فعال فإن ضاقت به الحال عن الاصطناع بماله فقد عدم من آلة المكارم عمادها وفقد من شروط المروءة سنادها فليواس بنفسه مواساة المسعف « 1 » وليسعد بها إسعاد المتألف . قال المتنبي : فليسعد النطق إن لم تسعد الحال وإن كان لا يراها وان أجهدها إلا تبعا للمفضلين قليلة بين المكثرين فإن الناس لا يساوون بين المعطي والمانع ولا يقنعهم القول دون الفعل ولا يغنيهم الكلام عن المال ويرونه كالصدى إن ردّ صوتا لم يجد نفعا كما قال الشاعر : يجود بالوعد ولكنه * يدهن من قارورة فارغة فكل ما خرج عندهم عن المال كان فارغا وكل ما عدا الإفضال به كان هينا وقد قدّمنا من القول في شروط الإفضال ما أقنع . وأما إفضال الاستكفاف فلأن ذا الفضل لا يعدم حاسد نعمة ومعاند فضيلة يعتريه الجهل بإظهار عناده ويبعثه اللؤم على البذاء بسفهه فإن غفل عن استكفاف السفهاء وأعرض عن استدفاع أهل البذاء صار عرضه هدفا للمثالب « 2 » وحاله عرضة للنوائب وإذا استكف السفيه واستدفع البذي صان عرضه وحمى نعمته . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة » وقالت عائشة رضي اللّه عنها : ذبّوا بأموالكم عن أحسابكم . وامتدح رجل الزهريّ فأعطاه قميصه فقال له رجل : أتعطي على كلام الشيطان فقال : من ابتغى الخير اتقى الشر ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أراد بر الوالدين فليعط الشعراء » وهذا صحيح لأن الشعر ساتر يستر به ما ضمن من مدح أو هجاء

--> ( 1 ) المسعف : المصافي والمعادن . ( 2 ) للمثالب : جمع مثلبة ، بفتح الميم وفتح اللام وضمها : اسم للخصلة التي يلام بها ويعاب عليها . ضد لمنقبة .