علي بن محمد البغدادي الماوردي

343

أدب الدنيا والدين

ألم تعلما أن الملامة نفعها * قليل إذا ما الشيء ولّى فأدبرا وأما الإسعاف في النوائب فلأن الأيام غادرة والنوازل غائرة « 1 » والحوادث عارضة والنوائب راكضة فلا يعذر فيها إلّا عليم ولا يستنقذه منها إلّا سليم وقد قال عدي بن حاتم : كفى زاجرا للمرء أيام دهره * تروح له بالواعظات وتغتدي فإذا وجد الكريم مصابا بحوادث دهره حثه الكرم وشكر النعم على الإسعاف فيها بما استطاع سبيلا إليه ووجد قدرة عليه . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خير من الخير معطيه وشر من الشر فاعله » وقيل لبعض الحكماء : هل شيء خير من الذهب والفضة قال : معطيها والإسعاف في النوائب نوعان : واجب وتبرع . فأما الواجب فيما اختص بثلاثة أصناف وهم : الأهل والإخوان والجيران أما الأهل فلمماسة الرحم وتعاطف النسب وقد قيل لم يسد من احتاج أهله إلى غيره . وقال حسان بن ثابت : وإن امرأ نال المنى لم ينل به * قريبا ولا ذا حاجة لزهيد وإن امرأ عادى الرجال على الغنى * ولم يسأل اللّه الغنى الحسود وأما الإخوان فلمستحكم الود ومتأكد العهد . وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال : صدق اللسان ومؤاساة الإخوان وذكر اللّه تعالى في كل مكان . وقال بعض حكماء الفرس : صفة الصديق أن يبذل لك ماله عند الحاجة ونفسه عند النكبة ويحفظك عند المغيب . ورأى بعض الحكماء رجلين يصطحبان لا يفترقان فسأل عنهما فقيل هما صديقان فقال : ما بال أحدهما فقير والآخر غني . وأما الجار فلدنوّ داره واتصال مزاره قال علي كرم اللّه وجهه : ليس حسن الجوار كف الأذى بل الصبر على الأذى . وقال بعض الحكماء : من أجار جاره أعانه اللّه وأجاره . وقال بعض البلغاء : من أحسن إلى جاره فقد دل على حسن نجاره . وقال بعض الشعراء : وللجار حق فاحترز من أذاته * وما خير جار لم يزل لك مؤذيا

--> ( 1 ) غائرة : من الغارة .