علي بن محمد البغدادي الماوردي

344

أدب الدنيا والدين

فيجب من حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثلاثة تحمل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم ولا فسحة لذي مروءة عند ظهور المكنة أن يكلهم إلى غيره أو يلجئهم إلى سؤاله وليكن سائل نفسه عنهم فإنهم عيال كرمه وأضياف مروءته فكما أنه لا يحسن أن يلجئ عياله وأضافيه إلى الطلب والرغبة فهكذا من عاله كرمه وأضافته مروءته . وقال بعض الشعراء : حق على السيّد المرجو نائله * والمستجار به في العرب والعجم أن لا ينيل الأقاصي صوب « 1 » راحته * حتى يخص به الأدنى من الخدم إن الفرات « 2 » إذا جاشت « 3 » غواربه * روّى السواحل ثم امتدّ في الأمم وأما التبرع فيمن عدا هؤلاء الثلاثة من البعداء الذين لا يدلون بنسب ولا يتعلقون بسبب فإن تبرع بفضل الكرم وفائض المروءة فنهض في حوادثهم وتكفل بنوائبهم فقد زاد على شروط المروءة وتجاوزها إلى شروط الرئاسة . وقيل لبعض الحكماء أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الإله قال : الإحسان إلى الناس . وإن كف تشاغلا بما لزم فلا لوم ما لم يلجأ إليه مضطر لأن القيام بالكل معوز والتكفل بالجميع متعذر فهذا حكم المؤازرة . وأما المياسرة فنوعان : أحدهما العفو عن الهفوات والثاني المسامحة في الحقوق . فأما العفو عن الهفوات فلأنه لا مبرأ من سهو وزلل ولا سليم من نقص أو خلل ومن رام سليما من هفوه والتمس بريئا من نبوة فقد تعدّى على الدهر بشططه « 4 » وخادع نفسه بغلطه وكان من وجود بغيته « 5 » بعيدا وصار باقتراحه فردا وحيدا . وقد قالت الحكماء : لا صديق لمن أراد صديقا لا عيب فيه . وقيل لأنوشروان هل من أحد لا عيب فيه قال : من لا موت له وإذا كان الدهر لا يوجده ما طلب ولا ينيله ما أحب وكان الوحيد في الناس

--> ( 1 ) الصوب : بفتح وسكون الإنصباب ، الراحة الكف وصوب والراحة كناية عن الجود والعطية . ( 2 ) الفرات : نهر الكوفة - والغوارب جمع غارب وهو ما بين الكتفين بمعنى الكاهل ، وغوارب الماء ، عبارة عن أعالي أمواجه - ( 3 ) وجاشت : فاضت . ( 4 ) الشطط : بفتحتين ، التباعد عن الحق . ( 5 ) البغية : بكسر الباء : المطلوب والحاجة .