علي بن محمد البغدادي الماوردي

342

أدب الدنيا والدين

بجاهه لأنه قد أضاعه بالشح وبدّده بالبخل وحرم نفسه غنيمة مكنته وفرصة قدرته فلم يعقبه إلّا ندما على فائت وأسفا على ضائع ومقتا يستحكم في النفوس وذما قد ينتشر في الناس . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الخلق كلهم عيال اللّه وأحب خلق اللّه تعالى إليه أحسنهم صنيعا إلى عياله » . وقال بعض الحكماء : اصنع الخير عند إمكانه يبق لك حمده عند زواله وأحسن والدولة لك يحسن لك والدولة عليك واجعل زمان رخائك عدّة لزمان بلائك . وقال بعض البلغاء : من علامة الإقبال اصطناع الرجال . وقال بعض الأدباء : بذل الجاه أحد الحباءين . وقال ابن الأعرابي : العرب تقول من أمل شيئا هابه ومن جهل شيئا عابه . وبذل الجاه قد يكون من كرم النفس وشكر النعمة وضدّه من ضدّه وليس بذل الجاه لالتماس الجزاء بذلا مشكورا وإنما هو بائع جاهه ومعاوض على نعم اللّه تعالى وآلائه فكان بالذم أحق . وأنشد بعض الأدباء لعلي بن عباس الرومي رحمه اللّه : لا يبذل العرف حين يبذله * كمشتري الحمد أو كمعتاضه بل يفعل العرف حين يفعله * لجوهر العرف لا لأعراضه وعلى من أسعد بجاهه ثلاثة حقوق يستكثر بها الشكر ويستمدّ بها المزيد من الأجر : أحدها أن يستسهل المعونة مسرورا ولا يستثقلها كارها فيكون بنعم اللّه تعالى متبرما ولإحسانه متسخطا . فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من عظمت نعمة اللّه تعالى عليه عظمت مئونة الناس عليه » فمن لم يحتمل تلك المئونة عرّض تلك النعمة للزوال . والثاني مجانبة الاستطالة وترك الامتنان فإنما من لؤم الطبع وضيق الصدر وفيهما هدم الصنيع وإحباط الشكر . وقد قيل للحكيم اليوناني من أضيق الناس طريقا وأقلهم صديقا قال : من عاشر الناس بعبوس وجهه واستطال عليهم بنفسه . والثالث أن لا يقرن بمشكور سعيه تقريعا بذنب ولا توبيخا على هفوة فلا يفي مضض التوبيخ بإدراك النجح ويصير الشكر وجدا والحمد عيبا ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم « 1 » » وقال النابغة الجعدي :

--> ( 1 ) عثراتهم : صغائر ذنوبهم .