علي بن محمد البغدادي الماوردي

341

أدب الدنيا والدين

ثلاثة : إحداهن كرم الطبع فإن الكريم مساعد واللئيم معاند . وقد قيل : المخذول من كانت له إلى اللئام حاجة . والثانية سلامة الصدر فإن العدوّ إلب على نكبتك وحرب في نائبتك وقد قيل : من أوغرت صدره استدعيت شره فإن رق لك بكرم طبعه ورحمك بحسن ظفره فأعظم بها محنة أن يصير عدوّك لك راحما . وقد قال الشاعر : وحسبك من حادث بامرئ * نرى حاسديه له راحمينا والثالث ظهور المكنة فإن من سأل مالا يمكن فقد أحال وكان كمستنهض المسجون ومستسعف المديون وكان بالرّد خليقا وبالحرمان حقيقا . وقد قال علي كرم اللّه وجهه : من لا يعرف لا حتى يقال له لا فهو أحمق . ووصى عبد اللّه بن « 1 » الأهتم ابنه فقال : يا بنيّ لا تطلب الحوائج من غير أهلها ولا تطلبها في غير حينها ولا تطلب ما لست له مستحقا فإنك إن فعلت ذلك كنت حقيقا بالحرمان . وقال الشاعر : ولا تسألنّ أمرا حاجة * يحاول من ربه مثلها فيترك ما كنت حملته * ويبدأ بحاجته قبلها فهذا ما يختص بشروط المروءة في نفسه . وأما شروط المروءة في غيره فثلاثة : المؤازرة « 2 » والمياسرة والإفضال . أما المؤازرة فنوعان : أحدهم الإسعاف بالجاه والثاني الإسعاف في النوائب . فأما الإسعاف بالجاه فقد يكون من الأعلى قدرا والأنفذ أمرا وهو أرخص المكارم ثمنا وألطف الصنائع موقعا وربما كان أعظم من المال نفعا وهو الظل لذي يلجأ إليه المضطرّون والحمى الذي يأوي إليه الخائفون فإن أوطأه « 3 » اتسع بكثرة الأنصار والشيع وان قبضه انقطع بنفور الغاشية والتبع فهو بالبذل ينمى ويزيد وبالكف ينقص ويبيد فلا عذر لمن منح جاها أن يبخل به فيكون أسوأ حالا من البخيل بماله الذي قد يعدّه لنوائبه ويستبقيه للذته ويكنزه لذريّته . وبضدّ ذلك من بخل

--> ( 1 ) عبد اللّه بن الأهتم : من بني مضر ، كان خطيبا ذا مقامات ، ووفادات . ( 2 ) المؤازرة : المعاونة . ( 3 ) أوطأه : هيأه وسهله .