علي بن محمد البغدادي الماوردي

335

أدب الدنيا والدين

قال : إذا ارتبت بشيء تركته . والداعي إلى هذه الحال شيئان : الاسترسال وحسن الظن والمانع منهما شيئان : الحياء والحذر وربما انتفت الريبة بحسن الثقة وارتفعت التهمة بطول الخبرة . وقد حكي عن عيسى بن مريم عليه السلام أنه رآه بعض الحواريين وقد خرج من منزل امرأة ذات فجور فقال : يا روح اللّه ما تصنع هنا فقال الطبيب إنما يداوي المرضى . ولكن لا ينبغي أن يجعل ذلك طريقا إلى الاسترسال وليكن الحذر عليه أغلب وإلى الخوف من تصديق التهم أقرب فما كل ريبة ينفيها حسن الثقة . هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أبعد خلق اللّه من الريب وأصونهم من التهم وقف مع زوجته صفية ذات ليلة على باب المسجد يحادثها وكان معتكفا فمرّ به رجلان من « 1 » الأنصار فلما رأياه أسرعا فقال لهما : على رسلكما « 2 » إنها صفية بنت حي فقالا : سبحان اللّه أفيك شك يا رسول اللّه فقال مه . إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لحمه ودمه فخشيت أن يقذف في قلبيكما سوءا . فكيف من تخالجت فيه الشكوك وتقابلت فيه الظنون فهل يعرى في مواقف الريب من قادح محقق ولائم مصدّق . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا لم يشق المرء إلّا بما عمل فقد سعد » وإذا استعمل الحزم وغلب الحذر وترك مواقف الريب ومظان التهم ولم يقف موقف الاعتذار ولا عذر لمختار لم يختلج في نزاهته شك ولم يقدح في عرضه إفك . وقد قال الشاعر : أصونك أن أدل عليك ظنا * لأن الظن مفتاح اليقين وقال سهل بن هارون مئونة المتوقف أيسر من تكلف المتعسف . وقال بعض الحكماء : من حسن ظنه بمن لا يخاف اللّه تعالى فهو مخدوع . وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر الصولي رحمه اللّه قوله : أحسنت ظني بأهل دهري * فحسن ظني بهم دهاني لا آمن الناس بعد هذا * ما الخوف إلّا من الأمان فهذا شرط استوفينا فيه نوعي النزاهة . وأما الصيانة وهي الثالث من

--> ( 1 ) رجلان من الأنصار : هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر . ( 2 ) على رسلكما : بكسر الراء وسكون السين أي امشيا على هيئتكما . فليس شيء تكرهانه .