علي بن محمد البغدادي الماوردي

336

أدب الدنيا والدين

شروط المروءة فنوعان : أحدهما صيانة النفس بالتماس كفايتها وتقديم مادتها والثاني صيانتها عن تحمل المنن والاسترسال في الاستعانة . فأما التماس الكفاية وتقدير المادة فلأن المحتاج إلى الناس كلّ « 1 » مهتضم وذليل مستثقل وهو لما فطر عليه محتاج إلى ما يستمدّه ليقيم أود نفسه ويدفع ضرورة وقته ولذلك قالت العرب في أمثالها : كلب جوّال خير من أسد رابض « 2 » . وما يستمدّه نوعان : لازم وندب . فأما اللازم فما قام بالكفاية وأفضى إلى سدّ الخلة وعليه في طلبه ثلاثة شروط : أحدها استطابته من الوجوه المباحة وتوقي المحظورة فإن المواد المحرّمة مستخبثة الأصول ممحوقة المحصول أن صرفها في برّ لم يؤجر وإن صرفها في مدح لم يشكر ثم هو لأوزارها محتقب « 3 » وعليها معاقب . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يعجبك رجل كسب مالا من غير حله فإن أنفقه لم يقبل منه وإن أمسكه فهو زاده إلى النار » . وقال بعض الحكماء : شر المال ما لزمك إثم مكسبه وحرمت أجر إنفاقه . ونظر بعض الخوارج إلى رجل من أصحاب السلطان يتصدّق على مسكين فقال : أنظر إليهم حسناتهم من سيئاتهم « 4 » . وقال علي بن الجهم : سرّ من عاش ماله فإذا حا * سبه اللّه سرّه الإعدام والثاني طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقه فيها غض ولا يتدنس له بها عرض فإن المال يراد لصيانة الأعراض لا لابتذالها ولعز النفوس لا لإذلالها . وقال عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه : يا حبذا المال أصوب به عرضي وأرضي به ربي . وقال أبو بشر الضرير : كفى حزنا أني أروح وأغتدي * ومالي من مال أصون به عرضي وأكثر ما ألقى الصديق بمرحبا * وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي وسئل ابن عائشة عن قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أطلبوا الحوائج من حسان

--> ( 1 ) كلّ : ثقل عاجز لا خير فيه . ( 2 ) رابض : قاعد . ( 3 ) محتقب : محتمل . ( 4 ) من سيئاتهم : من مناصبهم أو من رشاهم .