علي بن محمد البغدادي الماوردي
334
أدب الدنيا والدين
فنوعان : أحدهما النزاهة عن المطامع الدنية والثاني النزاهة عن مواقف الريبة فأما المطامع الدنية فلأن الطمع ذل والدناءة لؤم وهما أدفع شيء للمروءة . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في دعائه : اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع . وقال بعض الشعراء : لا تخضعنّ لمخلوق على طمع * فإن ذلك نقص منك في الدين واسترزق اللّه مما في خزائنه * فإنما هو بين الكاف والنون والباعث على ذلك شيئان الشره وقلة الأنفة فلا يقنع بما أوتي وإن كان كثيرا لأجل شرهه ولا يستنكف مما منع وإن كان حقيرا لقلة أنفته وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرا ويرى المال أعظم خطرا فيرى بذل أهون الأمرين لأجلهما مغنما وليس لمن كان المال عنده أجل ونفسه عليه أقل إصغاء لتأنيب ولا قبول لتأديب . وروي أن رجلا قال يا رسول اللّه أوصني قال : عليك باليأس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه فقر حاضر وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع وإياك وما يعتذر منه . وقال بعض الشعراء : ومن كانت الدنيا مناه وهمه * سبته المنى واستعبدته المطامع وحسم هذه المطامع شيئان : اليأس والقناعة . وقد روى عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن روح « 1 » القدس نفث في روعي « 2 » أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم إبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي اللّه تعالى فإن اللّه عز وجل لا يدرك ما عنده إلّا بطاعته » . فهذا شرط . وأما مواقف الريبة فهي التردد بين منزلتي يحمد وذم والوقوف بين حالتي سلامة وسقم فتتوجه إليه لائمة المتوهمين ويناله ذلة المريبين وكفى بصاحبها موقفا إن صح افتضح وإن لم يصح امتهن وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وسئل محمد « 3 » بن علي عن المروءة فقال : ألّا تعمل في السر عملا تستحي منه في العلانية وقال حسان بن أبي سنان : ما وجدت شيئا هو أهون من الورع قيل له وكيف
--> ( 1 ) ان روح القدس : ورواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة الباهلي . ( 2 ) في روعي : في خلدي وبالي . ( 3 ) محمد بن علي : هو الباقر .