علي بن محمد البغدادي الماوردي
324
أدب الدنيا والدين
سبب فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقا ولا يدفع مقدورا . وليمض في عزائمه واثقا باللّه تعالى أن أعطى وراضيا به ان منع . فقد روى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن في الإنسان ثلاثة الطيرة والظن والحسد فمخرجه من الطيرة أن لا يرجع ومخرجه من الظن أن لا يحقق ومخرجه من الحسد أن لا يبغي » . وروي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كفارة الطيرة التوكل على اللّه تعالى » . وقيل في منثور الحكم : الخير في ترك الطيرة وليقل أن عارضه في الطيرة ريب أو خامره فيها وهم ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من تطير فليقل اللهم لا يأتي بالخيرات إلّا أنت ولا يدفع السيئات إلّا أنت ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه » . وقد روي أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه : إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحوّلنا عنها إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وقل فيها عددنا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ذروها فهي ذميمة . وليس هذا القول منه صلّى اللّه عليه وسلّم على وجه الطيرة ولكن على طريق التبرك بما فارق وترك ما استوحش منه إلى ما أنس به . وأما الفأل ففيه تقوية للعزم وباعث على الجدّ ومعونة على الظفر فقد تفاءل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزواته وحروبه . وروى أبو هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمع كلمة فأعجبته فقال : أخذنا فألك « 1 » من فيك . فينبغي لمن تفاءل أن يتأوّل الفأل بأحسن تأويلاته ولا يجعل لسوء الظن على نفسه سبيلا فقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن البلاء موكل بالمنطق » روي أن يوسف عليه السلام شكا إلى اللّه تعالى طول الحبس فأوحى اللّه تعالى إليه يا يوسف أنت حبست نفسك حيث قلت : رب السجن أحب إليّ ولو قلت العافية أحب إليّ لعوفيت . وحكي أن المؤمّل بن أميل الشاعر لما قال يوم الحيرة : شفّ المؤمّل يوم الحيرة النظر * ليت المؤمّل لم يخلق له بصر عمي فأتاه آت في منامه فقال له : هذا ما طلبت . وحكي أن الوليد ابن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى :
--> ( 1 ) فألك : كلامك الحسن .