علي بن محمد البغدادي الماوردي
325
أدب الدنيا والدين
وَاسْتَفْتَحُوا « 1 » وَخابَ « 2 » كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ فمزق « 3 » المصحف وأنشأ يقول : أتوعد كل جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث إلّا أياما حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده فنعوذ باللّه من البغي ومصارعه والشيطان ومصايده وهو حسبنا وعليه توكلنا . ( الفصل السابع في المروءة ) اعلم أن من شواهد الفصل ودلائل الكرم المروءة « 4 » التي هي حلية النفوس وزينة الهمم فالمروءة مراعاة الأحوال التي تكون على أفضلها حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من عامل الناس فلم يظلمهم وحدّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوّته » . وقال بعض البلغاء : من شرائط المروءة أن يتعفف عن الحرام ويتصلف « 5 » عن الآثام وينصف في الحكم ويكف عن الظلم ولا يطمع فيما لا يستحق ولا يستطيل على من لا يسترق ولا يعين قويا على ضعيف ولا يؤثر دنيّا على شريف ولا يسر ما يعقبه الوزر والإثم ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم . وسئل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة فقال : العقل يأمرك بالأنفع والمروءة تأمرك بالأجمل . ولن تجد الأخلاق على ما وصفنا من حد المروءة منطبعة ولا عن المراعاة مستغنية وإنما المراعاة هي المروءة لا ما انطبعت عليه من فضائل الأخلاق لأن غرور الهوى ونازع الشهوة يصرفان النفس أن تركب الأفضل من
--> ( 1 ) واستفتحوا : واستنصروا اللّه على أعدائهم . ( 2 ) وخاب : وخسر وهلك . ( 3 ) فمزق المصحف : مزقه ظلما وعتوا ، نعوذ باللّه تعالى . ( 4 ) المروءة : هي تعاطي المرء ما يستحسن ، وتجنب ما يسترذل ، كالحرف الدنيئة ، والملابس الخسيسة ، والجلوس في الأسواق ، أو صيانة النفس عن الأدناس ، أو ما يشين عند الناس ، أو آداب نفسانية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق ، وجميل العادات ، فالمروءة كما قال السيد الشريف : هي قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة منها المستتبعة للمدح شرعا وعقلا وفرعا . ( 5 ) ويتصلف : أي يعرض وينصرف عنها .