علي بن محمد البغدادي الماوردي

323

أدب الدنيا والدين

طيرة الناس لا تردّ قضاء * فاعذر الدهر لا تشبه « 1 » بلوم أيّ يوم تخصه بسعود * والمنايا ينزلن في كل يوم ليس يوم إلّا وفيه سعود * ونحوس تجري لقوم وقوم وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة وكانت العرب إذا أرادت سفرا أنفرت أوّل طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمت وإذا طار يسرة رجعت وتشاءمت فنهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك وقال : « أقرّوا الطير على وكناتها « 2 » » . وحكى عكرمة قال : كنا جلوسا عند ابن عباس رضي اللّه عنهما فمرّ طائر يصيح فقال رجل من القوم خير فقال ابن عباس : لا خير ولا شر . وقال لبيد : لعمرك ما تدري الضوارب الحصى * ولا زاجرت الطير ما اللّه صانع واعلم أنه قلما يخلو من الطيرة أحد لا سيما من عارضته المقادير في إرادته وصدّه القضاء عن طلبته فهو يرجو اليأس عليه أغلب ويأمل والخوف إليه أقرب فإذا عاقه القضاء وخانه الرجاء جعل الطيرة عذر خيبته وغفل عن قضاء اللّه عز وجل ومشيئته فإذا تطير أحجم عن الاقدام ويئس من الظفر وظن أن القياس فيه مطرد وأن العسرة فيه مستمرة ثم يصير ذلك له عادة فلا ينجح له سعي ولا يتم له قصد . فأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة لإقدامه ثقة بإقباله وتعويلا على سعادته فلا يصدّه خوف ولا يكفه خور « 3 » ولا يئوب إلّا ظافرا ولا يعود إلّا منجحا لأن الغنم بالإقدام والخيبة مع الإحجام فصارت الطيرة من سمات الإدبار واطراحها من أمارات الإقبال فينبغي لمن مني به وبلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكى ودواعي الخيبة وذرائع الحرمان ولا يجعل للشيطان سلطانا في نقض عزائمه ومعارضة خالقة ويعلم أن قضاء اللّه تعالى عليه غالب وأن رزقه له طالب وأن الحركة

--> ( 1 ) لا تشبه : لفول : أشابه الحزن إذ ابيض شعره ، وشابت رؤوس الأكام ورأيت الجبال شيبا تريد بياض الصقيع والثلج . ( 2 ) وكناتها : جمع وكنة وهي العش . ( 3 ) خور : صيحة .