علي بن محمد البغدادي الماوردي
301
أدب الدنيا والدين
ألم تر أن ربك ليس تحصى * أياديه الحديثة والقديمة تسلّ عن الهموم فليس شيء * يقوم ولا همومك بالمقيمه لعل اللّه ينظر بعد هذا * إليك بنظرة منه رحيمه ومنها ان يعلم أن فيما وقى من الرزايا وكفى من الحوادث ما هو أعظم من رزيته وأشدّ من حادثته ليعلم أنه ممنوح بحسن الدفاع ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى في أثناء كل محنة « 1 » محنة « 2 » » . وقيل للشعبي في نائبة كيف أصبحت قال : بين نعمتين خير منشور وشر مستور . وقال بعض الشعراء : لا تكره المكروه عند حلوله * إن العواقب لم تزل متابينه كم نعمة لا تستقل بشكرها * للّه في طيّ المكاره كامنه ومنها أن يتأسى بذوي الغير « 3 » ويتسلى بأولي العبر « 4 » ويعلم أنهم الأكثرون عددا والأسرعون مددا فيستجدّ من سلوة الأسى وحسن العزا ما يخفف شجوه ويقل هلعه « 5 » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : الصقوا بذوي الغير تتسع قلوبكم وعلى مثل ذلك كانت مراثي الشعراء قال البحتري : فلا عجب للأسد إن ظفرت بها * كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشيّ سقت حمزة الردى * وموت عليّ من حسام ابن ملجم وقال أبو نواس المرء بنى مصائب لا تنقضي * حتى يوارى جسمه في رمسه فمؤجل يلقي الردى في أهله * ومعجل يلقي الردى في نفسه
--> ( 1 ) محنة : بلية . ( 2 ) منحة : عطية . ( 3 ) الغير : بوزن عنب : اسم من غير الشيء فتغير ، وهو عبارة عن تغير الحال ، وانتقالها من الصلاح إلى الفساد . ( 4 ) العبر : جمع عبرة : وهي اسم من الاعتبار ، أي الاتعاظ مع التعجب . ( 5 ) الهلع : الجزع ، وفزعه عند الكريهة .