علي بن محمد البغدادي الماوردي

302

أدب الدنيا والدين

ومنها أن يعلم أن النعم زائرة وأنها لا محالة زائلة وأن السرور بها إذا أقبلت مشوب الحذر من فراقها إذا أدبرت وأنها لا تفرح بإقبالها فرحا حتى تعقب بفراقها ترحا فعلى قدر السرور يكون الحزن . وقد قيل في منثور الحكم : المفروح به هو المحزون عليه . وقيل : من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره . وقال بعض الحكماء : من علم أن كل نائبة إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول البلاء . وقيل للحسن البصري رحمه اللّه : كيف ترى الدنيا قال : شغلني توقع بلائها عن الفرح برخائها فأخذه أبو العتاهية فقال : تزيده الأيام إن أقبلت * شدّة خوف لتصاريفها كأنها في حال إسعافها * تسمعه وقعة تخويفها ومنها أن يعلم أن سروره مقرون بمساءة غيره وكذلك حزنه مقرون بسرور غيره إذا كانت الدنيا تنتقل من صاحب إلى صاحب وتصل صاحبا بفراق صاحب فتكون سرورا لمن وصلته وحزنا لمن فارقته وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما قرعت عصا على عصا إلّا فرح لها قوم وحزن آخرون » وقال البحتري : متى أرت الدنيا نباهة خامل * فلا ترتقب إلّا خمول نبيه وقال المتنبي بذا قضت الأيام ما بين أهلها * مصائب قوم عند قوم فوائد وأنشد بعض أهل الأدب ألا إنما الدنيا غضارة « 1 » أيكة « 2 » * إذا اخضر منها جانب جف جانب فلا تفرحن منها لشيء تفيده * سيذهب يوما مثل ما أنت ذاهب وما هذه الأيام إلّا فجائع * وما العيش واللذات إلّا مصائب ومنها أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله ومحنه من شواهد

--> ( 1 ) الغضارة : النعمة والسعة ، والخصب والوفرة في المعيشة . ( 2 ) الأيكة : مفرد الأيك ، وهو الشجر الملتف الكثير .