علي بن محمد البغدادي الماوردي

292

أدب الدنيا والدين

صوتا مستكرها ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا وليكف عن حركة تكون طيشا وعن حركة تكون عيا فإن نقص الطيش أكثر من فضل البلاغة . وقد حكي أن الحجاج قال لأعرابي : أخطيب أنا ؟ قال نعم . لولا أنك تكثر الردّ وتشير باليد وتقول أما بعد . ومن آدابه أن يتجافى هجر القول ومستقبح الكلام وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه ليبلغ الغرض ولسانه نزه وأدبه مصون . وقد قال محمد بن علي في قوله تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً « 1 » قال : كانوا إذا ذكروا الفروج كنوا عنها وكما أنه يصون لسانه عن ذلك فهكذا يصون عنه سمعه فلا يسمع خنا ولا يصغي إلى فحش فإن سماع الفحش داع إلى إظهاره وذريعة إلى إنكاره وإذا وجد عن الفحش معرضا كف قائله وكان إعراضه أحد النكيرين كما أن سماعه أحد الباعثين وأنشدني أبو الحسن بن الحارث الهاشمي : تحرّ من الطرق أوساطها * وعدّ عن الموضع المشتبه وسمعك صن عن قبيح الكلام * كصون اللسان عن النطق به فإنك عند استماع القبيح * شريك لقائله فانتبه ومما يجري مجرى فحش القول وهجره في وجوب اجتنابه ولزوم تنكبه ما كان شنيع البديهة مستنكر الظاهر وإن كان عقب التأمل سليما وبعد الكشف والروية مستقيما كالذي رواه الأزدي عن الصولي لبعض المتكلفين من الشعراء : إنني شيخ كبير * كافر باللّه سيرى أنت ربي والهي * رازق الطفل الصغير يريد بقوله كافر أي لابس لأن الكفر التغطية ولذلك سمى الكافر باللّه كافرا لأنه قد غطى نعمة اللّه بمعصيته وقوله باللّه سيري يقسم عليها أن تسير وقوله أنت ربي يعني ربي ولدك من التربية وإلهي رازق الطفل الصغير كما أنه رازق الولد الكبير . فانظر إلى هذا الكلف الشنيع والتعمق البشيع ما

--> ( 1 ) كراما : معرضين عنه ، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه .