علي بن محمد البغدادي الماوردي

293

أدب الدنيا والدين

اعتاض من حيث البديهة إذا سلم بعد الفكر والروية إلّا لؤما ان حسن فيه الظن أو ذما إن قوي فيه الارتياب وقلما يكون ذلك إلّا من خليع بطر « 1 » ومرتاب أشر « 2 » . فأما الحديث المرويّ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : لا تصلوا على النبي فخارج من هذا النوع من التلبيس وفي تأويله وجهان : أحدهما أنه أراد النهي عن الصلاة في المكان المرتفع المحدودب مأخوذ من النبوة . والثاني أنه أراد الطريق ومنه سمى رسل اللّه أنبياء لأنهم الطرق إليه وإنما زال عنه التلبيس إذا قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان من قول غيره تلبيسا شنيعا لأن موضوع خطابه وشواهد أحواله يصرفان كلامه عن التجوّز والاسترسال في أمر أو نهي إلى ما لا يجوز أن يرد به شرع وينهى عنه نبي وليس يمتنع ذلك في غيره ولذلك افترق وجوده منه ومن غيره . ومن آدابه أن يجتنب أمثال العامة الغوغاء ويتخصص بأمثال العلماء الأدباء فإن لكل صنف من الناس أمثالا تشاكلهم . فلا تجد لساقط إلّا مثلا ساقطا وتشبيها مستقبحا وللسقاط أمثال فمنها تمثيلهم للشيء المريب كما قال الصنوبري : إذا ما كنت ذا بول « 3 » صحيح * ألا فاضرب به وجه الطبيب ولذلك علتان : إحداهما أن الأمثال من هواجس الهمم وخطرات النفوس ولم يكن لذي الهمة الساقطة الأمثل مرذول وتشبيه معلول . والثانية أن الأمثال مستخرجة من أحوال المتمثلين بها فبحسب ما هم عليه تكون أمثالهم فلهاتين العلتين وقع الفرق بين أمثال الخاصة وأمثال العامة . وربما ألف المتخصص مثلا عاميا أو تشبيها ركيكا لكثرة ما يطرق سمعه من مخالطة الأراذل فيسترسل في ضربه مثلا فيصير به مثلا كالذي حكى عن الأصمعي أن الرشيد سأله يوما عن أنساب بعض العرب فقال على الخبير سقطت يا أمير المؤمنين فقال له الفضل بن الربيع : أسقط اللّه جنبيك أتخاطب أمير المؤمنين بمثل هذا الخطاب فكان الفضل بن الربيع مع قلة

--> ( 1 ) بطر : معرض عن الحق تكبرا وتجبرا . ( 2 ) أشر : فرح ومرح . ( 3 ) ذا بول صحيح : يقال : له بول كثير أي ولد كثير ، وبال الماء انفجر ، وبال الشحم ذاب .