علي بن محمد البغدادي الماوردي

278

أدب الدنيا والدين

وقال بعض السلف : الحسد أوّل ذنب عصى اللّه به في السماء يعني حسد إبليس لآدم عليه السلام وأوّل ذنب عصى اللّه به في الأرض يعني حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله . وقال بعض الحكماء : من رضي بقضاء اللّه تعالى لم يسخطه أحد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد . وقال بعض البلغاء : الناس حاسد ومحسود ولكل نعمة حسود . وقال بعض الأدباء : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم وهم لازم وقلب هائم . فأخذه بعض الشعراء فقال : إن الحسود الظلوم في كرب * يخاله من يراه مظلوما ذا نفس دائم على نفس * يظهر منها ما كان مكتوما ولو لم يكن من ذم الحسد إلّا خلق دنيء يتوجه نحو الأكفاء والأقارب ويختص بالمخالط والمصاحب لكانت النزاهة عنه كرما والسلامة منه مغنما فكيف وهو بالنفس مضرّ وعلى الهم مصرّ حتى ربما أفضى بصاحبه إلى التلف من غير نكاية في عدوّ ولا إضرار بمحسود . وقد قال معاوية رضي اللّه عنه : ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود . وقال بعض الحكماء : يكفيك من الحاسد أنه يغتم في وقت سرورك . وقيل في منثور الحكم : عقوبة الحاسد من نفسه . وقال الأصمعي : قلت لأعرابي ما أطول عمرك قال : تركت الحسد فبقيت . وقال رجل لشريح القاضي : إني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم ووقوفك على غامض الحكم فقال : ما نفعك اللّه بذلك ولا ضرني . وقال عبد اللّه بن المعتز رحمه اللّه تعالى : أصبر على كيد الحسو * د فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها * إن لم تجد ما تأكله وحقيقة الحسد شدّة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل وهو غير المنافسة وربما غلط قوم فظنوا أن المنافسة في الخير هي الحسد وليس الأمر على ما ظنوا لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم والحسد