علي بن محمد البغدادي الماوردي

279

أدب الدنيا والدين

مصروف إلى الضرر لأن غايته أن يعدم الأفاضل فضلهم من غير أن يصير الفضل له فهذا الفرق بين المنافسة والحسد فالمنافسة إذن فضيلة لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بأخبار الأفاضل وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : المؤمن يغبط والمنافق يحسد وقال الشاعر : نافس على الخيرات أهل العلا * فإنما الدنيا أحاديث كل امرئ في شأنه كادح * فوارث منهم وموروث واعلم أن دواعي الحسد ثلاثة : أحدها بغض المحسود فيأسي عليه بفضيلة تظهر أو منقبة تشكر فيثير حسدا قد خامر بغضا وهذا النوع لا يكون عاما وإن كان أضرها لأنه ليس يبغض كل الناس . والثاني أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه فيكره تقدّمه فيه واختصاصه به فيثير ذلك حسدا لولاه لكف عنه وهذا أوسطها لأنه لا يحسد الأكفاء من دنا وإنما يختص بحسد من علا وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع عجز فلذلك صارت حسدا . والثالث أن يكون في الحاسد شح بالفضائل وبخل بالنعم وليست إليه فيمنع منها ولا بيده فيدفع عنها لأنها مواهب قد منحها اللّه من شاء فيسخط على اللّه عز وجل في قضائه ويحسد على ما منح من عطائه وإن كانت نعم اللّه عز وجل عنده أكثر ومنحه عليه أظهر وهذا النوع من الحسد أعمها وأخبثها إذ ليس لصاحبه راحة ولا لرضاه غاية فإن اقترن بشرّ وقدرة كان بورا وانتقاما وان صادف عجزا ومهانة كل جهدا وسقاما . وقد قال عبد الحميد الحسود من الهمّ كساقي السم فإن سرى سمه زال عنه همه . واعلم أنه بحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له فإن كثر فضله كثر حساده وإن قلّ قلوا لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود » وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ما كانت نعمة اللّه على أحد إلّا وجه لها حاسدا فلو كان الرجل أقوم من القدح لما عدم غامزا . وقد قال الشاعر : إن يحسدوني فإني غير لائمهم * قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا