علي بن محمد البغدادي الماوردي

268

أدب الدنيا والدين

واعلم أن لتسكين الغضب إذا هجم أسبابا يتسعان بها على الحلم . منها أن يذكر اللّه عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه ويبعثه الخوف منه على الطاعة له فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه فعند ذلك يزول الغضب . قال اللّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال عكرمة : يعني إذا غضبت . وقال اللّه تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ « 1 » مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ومعنى قوله ينزغنك أي يغضبنك فاستعذ باللّه إنه هو السميع العليم يعني أنه سميع بجهل من جهل عليم بما يذهب عنك الغضب . وذكر أن في التوراة مكتوبا : يا ابن آدم أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك « 2 » فيمن أمحق . وحكي أن بعض ملوك الفرس كتب كتابا ودفعه إلى وزير له وقال : إذا غضبت فناولنيه وكان فيه مالك والغضب إنما أنت بشر ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء . وقال بعض الحكماء : من ذكر قدرة اللّه لم يستعمل قدرته في ظلم عباد اللّه . وقال عبد اللّه بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد : يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني فعفا عنه لما ذكره قدرة اللّه تعالى . وروي أن رجلا شكا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القسوة فقال : اطلع في القبور واعتبر بالنشور « 3 » وكان بعض ملوك الطوائف إذا غضب ألقى عنده مفاتيح ترب الملوك فيزول غضبه . ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه : من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير . ومنها أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها فيزول عنه الغضب بتغير الأحوال والتنقل من حال إلى حال وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو شتم وكانت الفرس تقول : إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم . ومنها أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمّة الانتقام . وكتب أبرويز إلى ابنه شيرويه : إن كلمة منك تسفك دما وأخرى منك تحقن دما وإن نفاذ أمرك مع كلامك فاحترس في غضبك من قولك أن تخطئ

--> ( 1 ) ينزعنك . . . : أي يغضبنك . ( 2 ) أمحقك : يقال : محق الشيء إذا أبطله ومحاه . ( 3 ) اطلع في . . رواه البيهقي عن أنس .