علي بن محمد البغدادي الماوردي
269
أدب الدنيا والدين
ومن لونك أن يتغير ومن جسدك أن يجف فإن الملوك تعاقب قدرة وتعفو حلما . وقال بعض الحكماء : الغضب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم . وقال بعض الأدباء : إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر . وقال بعض الشعراء : وإذا ما اعترتك في الغضب الع - * زة فاذكر تذلل الاعتذار ومنها أن يذكر ثواب العفو وحسن الصفح فيقهر نفسه على الغضب رغبة في الجزاء والثواب وحذرا من استحقاق الذم والعقاب . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : ينادي مناد يوم القيامة من له أجر على اللّه عز وجل فليقم فيقوم العافون عن الناس ثم تلا فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى ابن الأشعث : « إن اللّه قد أعطاك ما تحب من الظفر فاعط اللّه ما يجب من العفو » . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الخير ثلاث خصال فمن كنّ فيه فقد استكمل الإيمان من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه من حق وإذا قدر عفا » . وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما فقال : عمر أردت أن يستفزني « 1 » الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف رحمك اللّه . ومنها أن يذكر انعطاف القلوب عليه وميل النفوس إليه فلا يرى إضاعة ذلك بتنفير الناس عنه وبعدهم منه فيكف عن متابعة الغضب فيرغب في التألف وجميل الثناء . وروى ابن أبي ليلى عن عطية بن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما ازداد أحد بعفو إلا عزا فاعفوا يعزكم اللّه . وقال بعض البلغاء : ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام ولا من شروط الكرم إزالة النعم . وقال المأمون لإبراهيم بن المهديّ : إن شاورت في أمرك فأشاروا عليّ بقتلك إلّا أني وجدت قدرك فوق ذنبك فكرهت القتل للازم حرمتك فقال : يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة إلّا أنك أبيت أن تطلب النصر إلّا من حيث ما عوّدته من العفو فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فلا نظير لك وأنشأ يقول :
--> ( 1 ) أن يستفزني : أي يستخفني ويزعجني .