علي بن محمد البغدادي الماوردي
267
أدب الدنيا والدين
فإن لم تجد بدّا من الجهل فاستعن * عليه بجهال فذاك من العزم وهذه من أحكم أبيات وجدتها في تدبير الحلم والغضب وهذا التدبير إنما يستعمل فيما لا يجد الإنسان بدّا من مقارنته لا سبيل إلى اطراحه ومتاركته إما لخوف شره أو للزوم أمره فأما من أمكن اطراحه ولم يضرّ إبعاده فالهوان به أولى والإعراض عنه أصوب فإذا كان على ما وصفت استفاد بتحريك الغضب فضائله وأمن بكف نفسه عن الانقياد له رذائله وصار الحلم مدبرا للأمور المغضبة بقدر لا يعتريه نقص بعدم الغضب ولا يلحقه زيادة بفقد الحلم ولو عزب عنه الحلم حتى انقاد لغضبه ضل عنه وجه الصواب فيه وضعف رأيه عن خبرة أسبابه ودواعيه حتى يصير بليد الرأي مغمور الروية مقطوع الحجة مسلوب العزاء قليل الحيلة مع ما يناله من أثر ذلك في نفسه وجسده حتى يصير أضر عليه مما غضب له . وقد قال بعض الحكماء : من كثر شططه كثر غلطه . وروي أن سلمان قال لعلي رضي اللّه عنه : ما الذي يباعدني عن غضب اللّه عز وجل قال : أن لا تغضب . وقال بعض السلف : أقرب ما يكون العبد من غضب اللّه عز وجل إذا غضب . وقال بعض البلغاء : من ردّ غضبه هدّ من أغضبه . وقال بعض الأدباء : ما هيج جأشك كغيظ أجاشك « 1 » . وقال رجل لبعض الحكماء عظني قال : لا تغضب فينبغي لذي اللب السويّ والحزم القويّ أن يتلقى قوّة الغضب بحلمه فيصدّها ويقابل عوادي شرته بحزمه فيردّها ليحظى بانجلاء الحيرة ويسعد بحميد العاقبة . وقال بعض الأدباء : في إغضائك راحة أعضائك . وسبب الغضب هجوم ما تكرته النفس ممن دونها وسبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن فوقها والغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه والحزن يتحرك من خارج الجسد إلى داخله فبذلك قتل الحزن ولم يقتل الغضب لبروز الغضب وكمون الحزن وصار الحادث عن الغضب السطوة والانتقام لبروزه والحادث عن الحزن المرض والأسقام لكمونه ولذلك أفضى الحزن إلى الموت ولم يفض إليه الغضب فهذا فرق ما بين الحزن والغضب .
--> ( 1 ) أجاشك : أفزعك .